10‏/11‏/2011

محنة الجيش العراقي الجديد:حرب الظل بين ضباط الدمج والضباط المهنيين


ثمة من المراقبين من يعتقد ان رحيل الاميركيين يمثل البداية، وليس النهاية، للصراع الذي يواجه الجيش العراقي. إن الجيش العراقي لا يزال منقسماً بسبب النزاعات بين فيلق الضباط الوطني التقليدي والمتدخلين المدعومين من إيران، ولا يزال يقف مشلولاً بسبب السياسات المختلة في بغداد وسحب الدعم العسكري الاميركي. وحتى تتطور العراق وتصبح أمة قوية وآمنة، قادرة على توجيه شؤونها الخاصة، فإن الكثير يعتمد على قدرة جيشها للتغلب على هذه العقبات.
يقول الخبير الامني الاميركي والباحث البارز في برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في معهد واشنطن مايكل نايتس: لقد أمضيت ثلاثة أسابيع مؤخراً داخل مراكز قيادة الجيش العراقي في جنوب العراق. ورغم أنه يتعين على المرء أن يتوخى الحذر في التوصل إلى استنتاجات حول هذا البلد الكبير والمتنوع من واقع الملاحظات التي تم جمعها في أي منطقة واحدة، إلا أن وجهة النظر حول الوضع في جنوب العراق ذات أهمية خاصة في هذا التوقيت. فالجنوب هو الفناء الخلفي لإيران، وهو ذلك الجزء من الأراضي العراقية الذي تركز عليه طموح إيران بسبب روابطه السياسية والدينية والاقتصادية بالسكان ذوي الأغلبية الشيعية، وحيث يتم استشعار نفوذ إيران بقوة. لقد كانت مراكز قيادة الجيش العراقي في الجنوب تزاول عملياتها بشكل مستقل إلى حد كبير عن الدعم الاميركي أو البريطاني منذ انسحاب القوات الأجنبية إلى أدنى مستوياتها في عام 2009 ، مما جعلها نافذة للمستقبل حول شكل الجيش العراقي بعد خروج الولايات المتحدة.
وربما يكون إعلان أوباما منصف الشهر الماضي القول: "سوف يعبر آخر الجنود الاميركيون الحدود إلى خارج العراق – رؤوسهم مرفوعة وفخورون بنجاحهم وعلمهم بأن الشعب الاميركي سوف يقف متحداً في دعمنا لقواتنا. وهذه هي الطريقة التي ستنتهي بها الجهود العسكرية لاميركا في العراق"، قد شكل مرحلة بارزة للعديد من الاميركيين، لكن من وجهة نظر القادة الأمنيين العراقيين، فإن الولايات المتحدة قد رحلت عن الكثير من أنحاء الدولة منذ فترة طويلة. فالانسحاب تحقق بمجرد مصادقة مجلس الوزراء العراقي على الاتفاقية الأمنية بين الولايات المتحدة والعراق في 16 تشرين الثاني 2008، التي حددت الجدول الزمني الفعلي لانسحاب الولايات المتحدة. ومنذ ذلك الحين، أصبح من الصعب بشكل متزايد على القوات الاميركية والعراقية أن تقوم باعتقال أو احتجاز أو محاكمة عراقيين مشتبه بهم لأن مذكرات الاعتقال العراقية هي التي كانت تمثل أهمية قانونية. ورغم أن القوات الاميركية انسحبت بشكل تدريجي، إلا أن تواجدها الفعلي في قواعدها تراجعت أهميته بالنسبة للعراقيين بسبب التحييد القانوني والسياسي لقدرة الولايات المتحدة على التأثير على الوضع الأمني على الأرض.
وبحسب مجلة فورين بوليسي، فإن التراجع البطيء للتواجد الاميركي قد جعل قادة الجيش العراقيين عرضة لهجمات سياسية. فالعديد من المقابلات مع الضباط العراقيين ترسم صورة لحرب الظل الدائرة داخل قطاع الأمن العراقي في عشية رحيل الولايات المتحدة. فمن جانب، هناك فئة (ضباط الدمج) المُعيَّنين السياسيين من العرق الشيعة الموزعين عبر أنحاء المؤسسة الأمنية منذ صعود حكومة ذات أغلبية شيعية في بغداد. وقد كان العديد من هؤلاء الأفراد أعضاء في فيلق بدر، وهي الوكالة التي شكلها فيلق الحرس الثوري الإسلامي لإيران من أجل إثارة الشيعة العراقيين المنفيين ضد جيش صدام حسين. كما أن هناك آخرين من مؤيدي السياسي الشيعي المتشدد مقتدى الصدر، أو المنشقين عن حركته. وهذه الجماعات تعترض على النفوذ الاميركي على الحكومة العراقية وقطاع الأمن، وتدعم دور الملالي في الحكومة على غرار الواقع في إيران. وهم يرون أن الهجمات على الأهداف العسكرية الاميركية لا تعتبر أفعالاً إجرامية – فهم معنيون فقط بملاحقة البعثيين وإرهابيي القاعدة السابقين.
وعلى الجانب الآخر توجد فئة الوطنيين العراقيين التقليديين المحاصرين حالياً والمحترسين من المخاطر التي تهددهم، والذين لا يزالون يشكلون شريحة كبيرة من قيادة الجيش العراقي في الجنوب. لقد حارب العديد من جنرالات اليوم في الصفوف الأمامية في الحرب الطويلة والدموية بين إيران والعراق، حيث كانوا ضباطاً صغاراً برتبة ملازم ورائد. ونظراً لخدمتهم في جيش صدام، يمكن استهداف هؤلاء الرجال بسهولة للتحقيق في ارتباطاتهم بالبعثيين. والواقع أنه قبل انتخابات اذار 2010، فإن لجنة اجتثاث البعث أصدرت قائمة تضم أكثر من 70 من كبار الضباط، ووصمتهم بأنهم بعثيين مزعومين. إن هؤلاء الضباط مستاءين من وجود ضباط الدمج – وهم المُعيَّنون السياسيون من الأحزاب الإسلامية الذين حصلوا على رتب عسكرية بعد 2003 بدون التخرج من أكاديميات عسكرية. ونظراً للمشكلة الأمنية العملياتية التي يمثلها هؤلاء الوافدون الجدد، اتحد الضباط المخضرمون مع بعضهم البعض، وشكلوا جماعات قيادة محكمة تتألف حصرياً من زملاء الحرب القدامى – ما أدى إلى تهميش ضباط الدمج وحصرهم في الوظائف الأقل أهمية، وشجعهم على أخذ فترات إجازة ممتدة.
وهؤلاء الضباط الوطنيون لديهم اتجاهات معقدة نحو الولايات المتحدة لا يمكن وصفها بالحب أو الكراهية. يقول نايتس: أخبرني أحد الضباط العراقيين "عندما أكون في الخدمة كجندي عراقي، تكون مهمتي العمل مع الاميركيين. لكن عندما أكون خارج الخدمة، كمدني، لا أستطيع حتى أن أنظر إلى مركبة اميركية لأنني غاضب جداً".
ورغم ذلك، كما تقول مجلة فورين بوليسي، يُدرك الضباط الوطنيون أن الولايات المتحدة والعراق يتشاركان في نفس المشكلة – وهي نفوذ إيران في المنطقة. ويتعين على الضباط العسكريين العراقيين أن يكونوا فطنين في دعمهم للجهود العسكرية الاميركية ضد المحاربين المدعومين من إيران. غير أنه خلف الكواليس، فإن أفعالهم غالباً ما تساعد في تمكين الغارات التي تقودها الولايات المتحدة ضد أسوأ المعتدين.
ولسوء الحظ، فإن الجيش العراقي – سواء بدعم الولايات المتحدة أو بدونه – غير مهيأ لمواجهة التواجد المستمر للميليشيات المدعومة من إيران في العراق. ورغم أن هناك بعد التدريبات الجارية لتمكين القوات المسلحة العراقية من حماية البلد من التهديدات العسكرية الخارجية، إلا أن العمليات اليومية للجيش لا تزال تتمثل في استعادة الأمن الأساسي داخل الدولة. لا يزال لدى العديد من المحافظات شبكات كثيفة من نقاط التفتيش التي يديرها جنود الجيش العراقي. والجيش لا تروق له هذه المهمة ولا يريدها، لكنه محصور في هذا الدور لأن قوات الشرطة المعاونة ليست ذات أعداد كافية، أو غير محل ثقة من قبل الجيش أو الحكومة الفيدرالية.
ومما يزيد الأمور سوءً أن تراجع المشاركة الاميركية في الأمن العراقي قد جمّد تطوير المبادرات الأمنية الجديدة. وقد فاقم من هذا الوضع الشلل شبه الكامل في السياسات الوطنية العراقية، وعدم قدرة الحكومة على تعيين وزراء أمنيين يحظون بصلاحيات كاملة على مدار الأربعة عشر شهراً الماضية. ومع شغل رئيس الوزراء نور المالكي كذلك لمنصبي وزير دفاع ووزير داخلية بالوكالة، فلا يمكن لأي من المؤسستين التحرك خطوة. على سبيل المثال، تراجعت المشاركة العسكرية الاميركية والبريطانية في جنوب العراق خلال عام 2009، وما كان من الجيش العراقي سوى أنه توقف ببساطة عن اتخاذ مبادرات جديدة لتأمين حدود الدولة. كما أن خطط إعادة انتشار القوات وخلق حواجز جديدة وتأسيس نظم مراقبة إلكترونية جديدة لم يتم تنفيذها بسبب الافتقار إلى الأموال وموافقة بغداد.
وحتى على المستوى التكتيكي، فمن الصعب الوقوف على مؤشرات التقدم. فقد كان المهندسون العسكريون الاميركيون في بعض الأوقات قادرين على استلام ونقل نقاط تفتيش حصينة بالكامل من جزء من شبكة الطرق إلى آخر، من أجل التكيف مع أنشطة المقاتلين. والآن، لا تزال نقاط التفتيش قابعة حيث وضعها الاميركيون في المرة الأخيرة، سواء كانت تلك الأماكن تمثل أهمية أم لا.
وعند غياب المستشارين الاميركيين، عاد الجيش العراقي إلى الاعتماد على العادات القديمة. فقد أصبح قوة تعتمد أكثر على رد الفعل، حيث ينتظرون أن يكشف المهاجمون عن أنفسهم ثم يعتقلون جميع الشهود والمجرمين المحتملين. والمشكلة لا تكمن في أن الجيش يفتقر إلى الفعالية: فكل قسم بالجيش العراقي يشتمل على عدد من وحدات الصاعقة الموضوعة تحت الطلب، قادرة على إعداد كمائن احترافية وعملياتية هجومية – وهم يفعلون ذلك بشكل متكرر. لقد كانت المشكلة الحقيقية تتمثل في أن المقاتلين المدعومين من إيران أو المتحدين مع حركة الصدر ربما يخضعون لحماية سياسية من نفس الأشخاص الذين يديرون وكالات الاستخبارات المدنية والشُرطية في العراق. ولهذا يُلقَى باللوم دائماً في جميع الأحداث الأمنية في الجنوب على القاعدة، وحتى المحللين الاستخباراتيين العراقيين، من وجهة نظر نايتس، لا يمكنهم المخاطرة بذكر الأسماء الحقيقية للجماعات المدعومة من إيران مثل كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق.
ونتيجة لذلك، يتم عرقلة جهود الجيش لقمع هؤلاء المقاتلين. إن الاستخبارات القوية ضد المقاتلين ضئيلة للغاية، كما يتم إحباط المداهمات بسبب تلقي المشتبه بهم لتحذيرات مسبقة، كما أن من يتم القبض عليهم يُطلق سراحهم غالباً قبل استجوابهم بسبب نقاط الضعف في النظام القضائي أو تعرض الشخصيات السياسية والقضائية للتخويف. وقد أرغمت هذه العوامل الجيش الاميركي في العراق على العودة إلى الدوريات وعمليات الاعتقال الأحادية بعد مقتل 14 جندياً اميركياً على يد الجماعات الشيعية المقاتلة في العراق أثناء يونيو/حزيران 2011.
وفي عشية انسحاب الولايات المتحدة، لا يزال المكون الوطني في الجيش العراقي يأمل بعراق قوي ومستقل – لكنه يؤمن أن حدوث زلزال سياسي وحده هو القادر على أن يوقظ بغداد من سُباتها العميق. وكما أخبرني أحد الضباط الشباب: "سوف يعمل العراق على إحداث توازن مع إيران مرة أخرى: فهذا هو النظام الطبيعي للأشياء". لكن العسكريين محبطون بسبب تبعية العراق الواضحة للمصالح الإيرانية. وقد ذكر الضابط الشاب نفسه أن الجيش شعر بإحباط كبير عند تأخير الشراء المخطط له لطائرات إف - 16 المقاتلة وقيام البرلمان العراقي بتقليص حجم الصفقة في ربيع 2011. ويقول "تحدث عضو من الحرس الثوري الإيراني على التلفاز ضد تلك الصفقة في أحد الأيام؛ ثم صوت البرلمان العراقي على تقليصها في اليوم التالي".
ويرى العديد من الضباط أن الحل يكمن في وجود حاكم مُطلق آخر – ليس صدام، السني ذو الخلفية القبلية المحدودة، ولكن شيعي أو وطني غير طائفي يمكنه التصدي لأعداء العراق الخارجيين والداخليين. البعض يقولون إن المالكي هو ذلك الرجل – لكن المأزق السياسي الحالي خلق بعض الشكوك. أخبرني رائد بالجيش أنه "يلزم توفير الأسلحة والتدريب لكن يجب أولاً إصلاح السياسيات على يد رجل قوي، حينها فقط يمكن بروز الجيش".
إن محنة الجيش العراقي تمثل لغزاً. فقد كان في السابق يُشكِّل تهديداً للحكم الديمقراطي والأقليات في العراق، ويمكنه القيام بذلك مرة أخرى. إلا أنه كذلك وعاء مقدس تسطع فيه الوطنية العراقية، ولا يزال التكنوقراط فيه يضطلعون بالمسؤولية. لقد أثبت الجيش أنه إحدى المؤسسات الحكومية الأقل تأثراً بالنفوذ الإيراني، ومن المرجح أن يستمر على ذلك المنوال. ورغم أن الطريق سيكون شاقاً، إلا أن الروابط التي تشكلت أثناء المعركة بين الجيشين الاميركي والعراق تستحق القتال من أجلها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق