التدخل الايراني اضحى اكثر نفوذا واكثر عمقا واكثر اتساعا في الشأن البحريني، بما يفرض على الدول العربية بصفة عامة ودول الخليج على وجه الخصوص الاسراع باتخاذ موقفا جماعيا تجاه الممارسات الايرانية اليومية وتدخلاتها المرفوضة في شئونهم الداخلية، قبل ان يستفحل الامر.
ليست مصادفة ان تكتشف مملكة البحرين وجود خلية ارهابية تعتزم القيام باعمال تخريبية وارهابية في اراضيها، فما تواجهه المملكة منذ مطلع العام الجاري من احداث مؤسفة تكشف عن يد ايرانية خبيثة تسعى إلى تنفيذ مخططات استعمارية في منطقة الخليج برمتها، وهو ما يؤكد بما لا يدع مجالا للشك ان الاطماع الايرانية والطموحات الاستعمارية ونيات السيطرة وفرض الهيمنة ما زالت هي الحاكمة للسياسة الايرانية تجاه دول الخليج العربي يدلل على ذلك تصريحات بعض المسئولين الايرانيين الكاشفة عن خبث المقاصد وسوء النيات، مع الاخذ في الحسبان ان ما يرد من تصحيح لتلك التصريحات الاستعمارية نوعا من ذر الرماد في العيون وكذبا على العقول.
وفي قراءة اولية لهذه الاحداث، يجدر بنا تسجيل عدد من الملاحظات المهمة للكشف عن دلالاتها:
أولا- جاء الموقف القطري الكاشف بجلاء عن حقيقة تلك الخلية الارهابية وقيامه بتسليمها إلى السلطات البحرينية، ليدحض ما يروج له البعض من وجود صراعات خافية بين دول مجلس التعاون الخليجي وان ثمة ارتباطات وصفقات مستترة تقوم بها بعضها ضد البعض الاخر. فلا شك ان ترويج مثل هذه الاقاويل غرضها بث الفتنة والفرقة بين ابناء الامة العربية بصفة عامة والشعوب الخليجية على وجه الخصوص. فاذا كان من المفهوم ان ثمة تباينات في الرؤى واختلاف في الاراء كون هذا من مقتضيات الحياة وطبيعة الاشياء، فإنه من غير المفهوم ان يتحول التباين والاختلاف إلى خلاف وصراع، وهو ما تدركه دول الخليج العربي قيادات وشعوبا بأن ما يجمعهم من تراث مشترك ولغة واحدة ودين واحد وميراث حضاري وثقافي واحد يجعل من الصعوبة بمكان ان تتسع حدة الاختلاف او تنقطع اواصر التعاون، يدلل على ذلك الكثير من السياسات التي انتهجتها بلدان الخليج العربي وفي مقدمتها قضية تسوية الحدود السياسية بينها.
ثانيا- ارتباطا بما سبق، تظل قضية الامن القومي لبلدان الخليج العربي سواء بصفة منفردة او في اطار المنظومة الجماعية لدول مجلس التعاون الخليجي، واحدة من القضايا ذات الاهتمام المشترك من جميع بلدان المجلس. وهو ما يتطلب ايلاء القضايا الامنية مزيدا من الاهتمام من جانب كل من القيادات السياسية والامنية والشعوب الخليجية بتعميق مجالات التعاون ووضع الاستراتيجيات المشتركة وتنسيق الجهود المبذولة لمواجهة مثل هذه التهديدات، مع الاخذ في الحسبان المخططات الايرانية الرامية إلى زعزعة الاستقرار في منطقة الخليج العربي من خلال مجموعة معلومة من السياسات، أبرزها:
- نشر الفوضى في بلدان الخليج من خلال تحريك المظاهرات والاعتصامات والاضرابات، مع اختراقها بعناصرها وكوادرها المدربة.
- استغلال الأزمات السياسية والطائفية التي تشهدها هذه البلدان في ممارسة مزيدا من الضغوط والاملاءات على قادة هذه الدول.
- زرع عملاء ووكلاء لها في بلدان الخليج المختلفة يدلل على ذلك نماذج حزب الله المنتشرة في دول الخليج كحزب الله البحريني وحزب الله الكويتي...الخ.
- نشر شبكات التجسس في البلدان الخليجية كما حدث مؤخرا في منتصف هذا العام مع كشف السلطات الكويتية لشبكة تجسس ايرانية.
- القيام بتزويد العصابات المتطرفة في هذه البلدان بالسلاح، كما بدا ذلك واضحا بعد إلقاء الجمارك الكويتية القبض على سفينة إيرانية محملة بأسلحة بعضها مخصص للاستعمال في الاغتيال عن بعد، وتأتي الخلية الارهابية المكتشفة مؤخرا في البحرين لتؤكد على استمرار النهج ذاته.
ثالثا- ليست مبالغة القول أن الموقف الخليجي بصفة عامة والبحريني على وجه الخصوص ظل في تعامله مع السياسة الايرانية رغم ممارساتها الخاطئة وتوجهاتها الاستعمارية، موقفا عاكسا لمنظومة من القيم والاخلاقيات القائمة على مبدأ حسن الجوار ورفض التدخل في الشئون الداخلية للدول، بل والسعي إلى حل خلافاتهم معها بالطرق القانونية والشرعية دون اللجوء إلى العنف او استخدام القوة او التهديد باستخدامها او توظيف قضايا داخلية للتأثير على صانعي السياسية الايرانية. فاذا كان صحيحا ان طهران تستخدم الاقليات الشيعية في البلدان الخليجية كنوع من الضغط على حكومات هذه الدول، فإنه ليس صحيحا ان عدم لجوء هذه الحكومات إلى مثل هذه السياسات عجزا منها او عدم مقدرة، وإنما يكشف الداخل الايراني بصورة واضحة عن العديد من نقاط الضعف التي من السهولة بمكان توظيفها من جانب قيادات هذه الدول فاتحا بذلك مجالا رحبا للتدخل في الشأن الايراني الداخلي ومن أبرزها قضية اقليم الاحواز العربي الواقع تحت الاحتلال الايراني منذ عشرينات القرن المنصرم والممارسات اللاانسانية الايرانية تجاه الشعب الاحوازي وانتهاكاتها المستمرة لحقوقه وحرياته.
خلاصة القول، ان ما كشفت عنه الخلية الارهابية من نياتها للقيام باعمال تخريبية وارهابية في الاراضي البحرينية كتفجير جسر الملك فهد واستهداف السفارة السعودية فضلا عن اغتيالات لشخصيات بحرينية وغير بحرينية، يدفعنا إلى القول أن التدخل الايراني اضحى اكثر نفوذا واكثر عمقا واكثر اتساعا في الشأن البحريني، بما يفرض على الدول العربية بصفة عامة ودول الخليج على وجه الخصوص الاسراع باتخاذ موقفا جماعيا تجاه الممارسات الايرانية اليومية وتدخلاتها المرفوضة في شئونهم الداخلية، قبل ان يستفحل الامر ويترسخ وجودها وتتعمق ممارساتها، لتظل هذه الحادثة جرس انذار للجميع.
احمد إبراهيم
باحث متخصص في الشئون الامنية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق