تحت هذا العنوان نشر موقع "صندوق الثقافة الاستراتيجية" مقالا بقلم دميتري سيديوف جاء فيه أن بعض الأوساط في بلدان الخليج كانت أول من أشار إلى أن مصالح إيران تكمن وراء الأحداث الجارية في العراق. ولم يكن ذلك حصرا بسبب العلاقات المتوترة منذ عدة سنوات بين عاهل المملكة العربية السعودية الملك عبدالله والقيادة الإيرانية. ويضيف كاتب المقال أن السعوديين الذين لهم شبكة نشطة من المخبرين المأجورين في بلدان العالم الإسلامي ، يعرفون الكثير عن التيارات التي تجري تحت سطح الأحداث في هذه البلدان. وقبل عامين أبلغ الملك السعودي مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون مكافحة الإرهاب جون برينان أنه لا يثق برئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، لأنه عميل إيراني فتح الباب أمام نفوذ إيران في العراق.
وعندما بات التقرير عن هذا اللقاء في متناول أوساط الرأي العام أبدى الكثيرون دهشتهم، اعتقادا منهم أن الملك بالغ في الأمر. أما تزايد النفوذ الإيراني في العراق منذ العام 2003 على موجة العداء للأمريكيين، فقد كان يعتبر أمرا مسلما به. وبخصوص أن يكون المالكي على علاقة مباشرة مع طهران ، يجب أن نتذكر أن رئيس الوزراء الحالي تجنب في حينه الوقوع في قبضة مخابرات صدام بالهرب إلى إيران ، وبعد ذلك انتقل إلى سورية حيث لطهران باع طويل.
وتكمن المشكلة في أن كل ما يجري في العراق يندرج في باب مصالح طهران الحيوية. وحتى لو لم يكن نفوذ الإيرانيين في العراق الآن على درجة من القوة تتيح لهم السيطرة عليه بشكل سافر، فإن عامل وحدة العقيدة الدينية يحدد سلفا اتجاه نشاط الأغلبية الشيعية. وفي العراق ينهار بناء "الديمقراطية المصدرة" الذي أضنى الأمريكيون أنفسهم في إقامته على مدى تسع سنوات. وهو على وشك أن يتحول إلى أطلال دامية. أما النظام الإسلامي الذي انبثق من هذه الإطلال، وتهمين عليه الأغلبية الشيعية، فسوف يمد يده إلى طهران. وفضلا عن ذلك، فإن فورة الفوضى الجديدة في العراق ستدفع إلى الظل موضوع "الملف النووي" الإيراني، ويزيد من صعوبة التحضير لهجوم على الجمهورية الإسلامية.
ومما يؤكد - بشكل غير مباشر - أن العراق يشهد اليوم تنفيذ سيناريو إيراني ، ما يلي :
- إن المالكي الذي تريث في شن هجومه على السُنة حتى انسحاب القوات الأمريكية، كان يخطط للقيام بلعبته الخاصة سرا عن حلفائه الأمريكيين. والهجوم على السنة يتصف بطابع شامل، فالمالكي بادر بهمة ونشاط للإمساك بكافة مفاصل السلطة، وذلك عن طريق ترهيب واعتقال خصومه السياسيين الذين ينتمي أغلبهم إلى الأقلية السنية. وفي الشهرين الأخيرين سُجن مئات الأشخاص بتهمة الانتماء إلى حزب البعث الصدامي. وتم اعتقال حوالي 30 شخصا بتهمة العلاقة مع رئيس الوزراء السابق إياد علاوي الذي ينتقد المالكي انتقاداً لاذعاً. وها قد بدأ اليوم ضرب "مراكز القوى" ، فقد أحيل إلى البرلمان طلب حول رفع الحصانة عن نائب رئيس الوزراء صالح المطلك، وصدر أمر باعتقال نائب الرئيس طارق الهاشمي، ما يعني أن كل سياسي سني اليوم مهدد بتهمة الارهاب، أو الانتماء للبعث.
- يجري اغتصاب السلطة من قبل الشيعة بناء على خطة معدة سابقاً، ولا علاقة للسنة بذلك. وتبرز في هذا السياق "المحاكمات الصورية" لحراس طارق الهاشمي، التي دبرت عمداً، وأريد لها أن تلعب دور مفجر للأزمة. إن القيادة الشيعية هي التي تفتعل الأزمة، ولم تكن لتقدم على ذلك لولا الدعم الخفي من طهران.
- وقبيل الأزمة العراقية أخذت السلطات الايرانية تتحدث بشكل صريح عن نتائج الحصار الاقتصادي الغربي السلبية عليها. وقد أعلن أحمد قلعه باني نائب وزير النفط الإيراني علانية عن تدني انتاج المحروقات بسبب انخفاض تدفق الاستثمارات الأجنبية. وفي هذا السياق أيضاً تبرز الصحافة انهيار المباحثات التي دامت أربع سنوات مع شركة توزيع الغاز الطبيعي Polskie Gornictwo Naftowe i Gazownictwo. وإلى ذلك، تُمارس ضغوط كبيرة على الشركات الأجنبية لكي لا تعمل في إيران. وحتى شركة النفط الروسية "تات نفط" ألغت فجأة عقدا أوليا بقيمة مليار دولار لاستغلال حقل النفط في منطقة زاغي بجنوب إيران. كما أن السعودية لم تراع مصالح إيران التي كانت تنتظر منها ألا تزيد انتاجها من النفط. ولهذه الأسباب لم تتمكن في عام 2011 من بيع أكثر من 3.5 مليار برميل ، في حين كانت تصدر 4 مليارات برميل من النفط سنويا، ما سيعد ضربة موجعة لاقتصادها. هذا وتزداد العقوبات ضد ايران شدة، إذ يعتزم الرئيس الأمريكي باراك أوباما توقيع قانون يفرض غرامات كبيرة على الشركات الأجنبية العاملة في الولايات المتحدة، إذا كانت لها علاقات مع البنك المركزي الإيراني. وعن ذلك يقول مدير البنك المركزي الإيراني إن بلده " تحت حصار حقيقي".
وتجدر الملاحظة بأن هذه الاعترافات الصريحة ليست من ميزات القادة الإيرانيين. وهم ،على غير عادتهم ، يوضحون للجميع أنهم حشروا في الزاوية، فاضطروا للهجوم. إن الإيرانيين يستعرضون أمام واشنطن أنهم قادرون على كتابة سيناريو إقليمي يقضي على ما جنته السياسة الأمريكية من ثمار. من جانبهم يبدي الأمريكيون استياءهم من أن إيران تقوم بتدريب وتسليح الشيعة في جنوب العراق، وتُعِد لتمردٍ شيعي في المقاطعات الشرقية من المملكة العربية السعودية. وعلى ما يبدو فإن الأمريكيين الذي زرعوا الريح لا يريدون أن يحصدوا العاصفة.
وفي ضوء ذلك، لا معنى للسؤال عما إذا كان رئيس الوزراء نوري المالكي عميلاً لطهران أم لا، لأن كل ما قام به يصب في مجرى المصالح الإيرانية. وبهذه الطريقة تواجه إيران الضغوط الغربية التي تشتد يوماً بعد آخر. ويمكن القول إن الإيرانيين يضحون باستقرار جارهم العراقي على مذبح أمن بلادهم. وللتأكد من صحة الحكمة الروسية التي تقول إن "الشرق مسألة حساسة"، دعونا نتذكر حدثاً من التاريخ القريب، وهو أن إدارة جورج بوش اتخذت قرار إطاحة نظام صدام حسين متأثرةً بنصائح المهاجر السياسي العراقي أحمد الجلبي. وبعد سقوط النظام تم العثور على وثائق تشير إلى أن الجلبي كان في حقيقة الأمر عميلاً لطهران.
الكاتب: دميتري سيدوف.
المصدر: صندوق الثقافة الاستراتيجية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق