18‏/01‏/2012

آخر محاولة روسية لمساعدة الأسد في الحفاظ على السلطة

الرئيس السوري بشار الأسد مع نظيره الروسي دميتري ميدفيديف


كتبت الصحفية الروسية المعروفة يلينا سوبونينا في هذا الصدد أن مصير سورية والنظام الحاكم فيها سيقرر في الأيام القريبة المقبلة، في رأيها.

وأضافت أن الدبلوماسيين الروس بذلوا جهودهم لطرح الوثيقة للتصويت عليها قبل التاسع عشر من الشهر الجاري وهو موعد تقديم بعثة المراقبين العرب في سورية تقريرا مفصلا لجامعة الدول العربية في القاهرة عن عمل البعثة في سورية منذ 26 كانون الأول (ديسمبر) الماضي.

ويتوقع إلى جانب تقديم التقرير الذي يحمل تحليل الأوضاع وتقييم آفاقها عرض صور وخرائط ميدانية لبعض المواقع وتسجيلات فيديو.

وترى سوبونينا أن إصدار مجلس الأمن قرارا أخف لهجة بشأن سورية - وفق الصياغة الروسية – قد يصبح بمثابة إشارة إلى جامعة الدول العربية معناها أن هناك إمكانات لم تستنفد بعد لمواصلة بذل المساعي الدبلوماسية، ما يبرر الاستمرار في جهود الوساطة من أجل إيجاد مصالحة بين طرفي النزاع. أما إذا لم يتم قبول مشروع القرار الروسي نتيجة غلبة الخط القاسي للدول الغربية تجاه سورية والمتمثل في الإدانة الأحادية الجانب لتصرفات السلطات السورية، فسيعني ذلك اعتماد التوجه الرامي إلى إسقاط النظام السوري بما في ذلك باللجوء إلى تدخل عسكري أجنبي، في نظر الصحفية.

من هنا يمكن القول إن مشروع القرار الروسي قد يكون آخر محاولة تقوم موسكو بها لمساعدة الرئيس السوري إن لم يكن للمحافظة على السلطة، بل على الأقل لتجنب أسوأ الاحتمالات بالنسبة له - أي تدخل عسكري أجنبي.

وفي غضون ذلك سارع شركاء روسيا الغربيون ومنهم الفرنسيون والبريطانيون إلى توجيه انتقاداتهم إلى مشروع القرار الروسي، ما أحس به الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة بان كي مون ليصرح يوم أمس بأنه "سيجدد دعوته للأسد إلى أن يضع حدا للعنف وقتل شعبه".

وفي الوقت عينه، يبدو مشروع القرار الذي تقدمت به روسيا هذه المرة أكثر انتقادا تجاه السلطات السورية بالمقارنة مع النسختين السابقتين من مشروعي القرار اللتين حاولت روسيا طرحهما للتصويت في منتصف ونهاية شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي.

وفي الوقت ذاته يبقى المشروع الروسي الجديد أكثر توازنا من مشروع القرار المعادي للأسد صراحة والذي أعدته الدول الغربية واعترضت عليه روسيا والصين في الرابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2011 بلجوئهما إلى استخدام حق النقض (الفيتو).

وأعادت سوبونينا إلى الأذهان أن موسكو تتهم ليس فقط النظام بل والمعارضة أيضا بكون سورية تنجر إلى حرب أهلية، غير أن نص المشروع الجديد ينص بوضوح على أن "السلطات تلجأ إلى استخدام القوة بشكل مفرط". كما تتضمن الوثيقة الدعوة إلى "وضع نهاية لانتهاك حقوق الإنسان ومن ضمنها في إقامة تجمعات سلمية".

ومع ذلك يخلو مشروع القرار الروسي مما يلح معارضون سوريون على المطالبة به وخصوصا المعارضة الخارجية وحلفاؤها في الغرب، وهو فرض عقوبات اقتصادية دولية على سورية، بما في ذلك حظر مبيعات الأسلحة لها، واستخدام التدابير العسكرية بحقها في حال عدم فعالية تأثير هذه الإجراءات.

وعلى عكس ذلك، يقول المشروع الروسي إن القرار الأممي المحتمل صدوره لن يخول بأي حال من الأحوال الحق في استخدام القوة تجاه سورية. وتولي روسيا أهمية خاصة لهذا البند بالذات لدواعي قلقها من احتمال تكرار تجربة قرار مجلس الأمن الدولي الخاص بليبيا في العام الماضي والذي أدى إلى اندلاع حرب في هذا البلد.

وأضافت سوبونينا أن الدبلوماسيين الروس يرجحون، في رأيها، أن هدف الغرب يتلخص في العمل على تغيير النظام في سورية، ما يفسر كون النسخة الجديدة من مشروع القرار الروسي رغم تشديد لهجتها غير مقبولة بالنسبة للغرب أيضا.

وكان "الجيش السوري الحر" قد حث مجلس الأمن الدولي على التصرف بحسم استنادا إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وعلى وجه التحديد المادتين 41 و42 اللتين تنصان على إمكانية فرض حصار وحتى استعمال القوات الجوية والبحرية والبرية بحق بلد ينتهك السلام الدولي.

من جهته، ذكر الجنرال السوداني محمد مصطفى الدابي، رئيس بعثة المراقبين العرب إلى سورية في تقريره الأولي، الأسبوع الماضي، أن الوضع حرج ولا بد من التفكير بعمق حول الخطوات المقبلة. وسيتوجه وزراء الخارجية العرب إلى القاهرة يوم الأحد القادم لاتخاذ قرار بهذا الخصوص من جملة مقترحات تتراوح بين أكثرها صرامة وأقلها حدة.

وفي معرض الحديث عن أشد القرارات وأكثرها صرامة قال أمير دولة قطر حمد بن خليفة آل ثاني في مقابلة مع قناة "سي بي سي" الأميركية الأحد الماضي إنه "لا بد من دخول قوات ما إلى سورية لوضع حد للعنف".

وقد يدور الحديث عن قوات عربية أو تركية على حد سواء مع احتمال إشراك قوات تابعة لبلدان أخرى من أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو).

غير أن الرئيس التونسي الجديد منصف المرزوقي الذي كان بنفسه قائدا ثوريا منذ فترة قصيرة قال إن "هذا الاقتراح أشبه بانتحار للجميع ما يؤدي إلى انفجار في المنطقة".

وعارض التدخل العسكري في سورية كل من لبنان والعراق وبعض الدول العربية الأخرى. أما من الأعضاء الدائمين الخمسة في مجلس الأمن الدولي فتقف روسيا والصين بحزم ضد مثل هذا السيناريو.

أما الطريقة الأكثر خفة لمعالجة المشكلة في سورية فتقتضي رفع عدد المراقبين العاملين في هذا البلد من 163 إلى 300 وحتى إلى 500. وبالفعل، بدأ إعدادهم وتدربيهم على أيدي زملائهم من هيئة الأمم المتحدة في القاهرة قبل إرسالهم إلى سورية.

ولفتت سوبونينا بهذا الخصوص إلى أن الدابي أعرب عن حرصه على مواصلة مهمة بعثة المراقبين في سورية، غير أنه وزملاءه يتعرضون للانتقادات من قبل الرأي العام العربي من منطلق أن "المراقبين العرب لم يتمكنوا من وقف الصراع، ولا بد من سحبهم للبدء بممارسة ضغط أكثر شدة على النظام السوري، وإلا فإن وجودهم يخدم ذريعة لاستمرار أعمال العنف في البلاد"، حسب ما تناقلته وسائل الإعلام العربية.

وتوجه الانتقادات نفسها إلى روسيا، حيث تقول بعض الفضائيات العربية إن مشروع القرار الروسي يعطي فرصة لبشار الأسد لالتقاط الأنفاس يستغلها للقضاء على المعارضة.

ويثور السؤال التالي: هل سيكون الشرق الأوسط أفضل مع أو بدون الأسد؟

ترى سوبونينا إن الأسد يحاول إجراء الإصلاحات غير أن مساره الإصلاحي بطيء ومتردد.

أما موسكو فمن جهتها تأمل بأن تعطي العملية الإصلاحية في سورية ثمارها مع مرور الوقت.

ولكن الشيء الأهم هو أن الشعب السوري يتعرض للقتل يوميا، حتى وصل عدد الضحايا في البلاد، حسب بيانات الأمم المتحدة، إلى 5 آلاف شخص منذ منتصف آذار (مارس) الماضي، في وقت تصرخ فيه المعارضة طالبة المساعدة، ويعلن فيه ممثلو السلطة عن سقوط القتلى في صفوف الجنود وعناصر الأمن طالبة بدورها المساعدة أيضا.

ملامح حرب أهلية تبرز في الأفق، وإذا ما انفجرت هذه الحرب فهي ستنتقل إلى الدول المجاورة التي لا تعيش حالة استقرار هي أيضا.

والدول المجاورة هي العراق الذي يشهد كل يوم انفجارات جديدة، ولبنان الذي ينقسم بين مدافع عن النظام السوري ومناهض له، أما تركيا فهي تنتظر دفعة جديدة من اللاجئين حتى أن إسرائيل "العدو اللدود" تتحضر لاستقبالهم.

من جانبها، تود إيران مساعدة الأسد لأطول وقت ممكن، غير أنها مهددة بعقوبات جديدة ومنها تهديدات بضربة عسكرية من الولايات المتحدة وإسرائيل.

وتختتم سوبونينا مقالتها بالإشارة إلى أن روسيا تعتبر أن بقاء نظام بشار الأسد لفترة ما سيتيح تجنب أسوأ السيناريوهات وأكثرها دموية.

ولكن هناك رأيا آخر يعتبر أن تنحي الرئيس الأسد عن منصبه بأسرع وقت هو الحل الأفضل لسورية ولجيرانها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق