
طوت حرب أفغانستان أخيراً عقداً من الزمن. وكانت هذه المناسبة محور المداولات في واشنطن، إلى جانب الوضع الاقتصادي المالي والحملة الانتخابية التي بدأت تطغى على المشهد السياسي الأميركي. المؤرق للأميركيين ليس فقط أنها الحرب الأطول في تاريخهم وأن كلفتها باتت لا توازي أهميتها .
بل أنه ليس هناك في الأفق ما يؤشر إلى كيفية وطريقة وموعد وضع نهاية لها، ولو بأقل الخسائر ومن دون نصر حاسم. المهم الخلاص منها بما يحفظ ماء الوجه. لكن حتى مثل هذه النهاية المتواضعة، غير مضمونة حتى الآن.
بل تعذّر ولوج طريقها بصورة واعدة. يحول دون ذلك الواقع الأفغاني المعقّد والعلاقات الإقليمية المتنافرة والمأزومة، التي أخذت من الساحة الأفغانية مسرحاً لصراعاتها. يضاف إلى ذلك، ويزيد من إرباكاته، أن واشنطن لا تملك التصور القادر على تأمين التفاف داخلي واسع حوله. فالتباينات حول هذه الموضوع ملحوظة. حتى داخل الإدارة، كما في صفوف خصومها، الذين يكتفون بالانتقادات وتسجيل المواقف الانتخابية.
إنجاز مستبعد
الرئيس الأميركي باراك أوباما يرى نفسه ملزماً، بحكم قرب الاستحقاق الرئاسي، بتنفيذ وعده ببدء الانسحاب العام المقبل. سيناريو لا تقف القيادة الميدانية بقوة إلى جانبه. تربط الأمور بأوقاتها. تريد المزيد من الوقت لانجاز المهمة. انجاز تستبعد وكالة الاستخبارات المركزية سي أي يه تحقيقه. تراه غير قابل للترجمة. على يمين الإدارة، ليس الموقف بأفضل لجهة الوضوح. المؤسسة التقليدية في الحزب الجمهوري، ليست مع الانسحاب. لكنها لا تملك البديل.
وحدهم المحافظون الجدد يشدّون باتجاه الاستمرار في الحرب حتى تحقيق النصر التام وليس فقط وضع نهاية لها. الباقون يقفون في دائرة اللون الرمادي. المرشح الرئاسي الأبرز، م. رومني، نأى في خطابه الأخير حول السياسة الخارجية عن هذا الموضوع ولم يخصص له س وى أسطر قليلة جداًّ، غاص من خلالها بالعموميات بحيث لم يعرض تصوراته وحلوله لهذه الورطة. وهكذا هي الحال لدى غالبية السياسيين وحتى الباحثين في مراكز الدراسات.
ثمة اعتراف أميركي ضمني بأن الحلول مستعصية وأن أحلاها مرّ. وهذا ما يفسّر إلحاح الإدارة على طرق أبواب التسوية السياسية. الحاجة جعلتها تواظب على هذا الخيار، رغم تعثره وعبثيته. وتردّد مؤخراً أنها مدّت جسور الاتصال مع ألدّ أعدائها، جماعة حقاني الباكستانية، باعتبارها عاملاً وازناً في المعادلة الأفغانية، بحثاً عن حلّ. علماً بأن رئيس الأركان السابق موللن كان قد وصفها قبل أسبوعين بأنها ذراع للمخابرات الباكستانية ، المتهمة بدعم طالبان وبالتخريب على الخطط الأميركية في أفغانستان.
لكن التطورات الأخيرة، من الهجوم على السفارة الأميركية في كابول إلى الاغتيالات السياسية الأفغانية، زادت من تعقيد الأمور. بل دفعتها نحو حافة هاوية قديمة جديدة. لا طالبان تبدو معنية بالتفاوض والتسوية. ولا الرئيس الأفغاني حامد قرضاي، الذي قام مؤخراً بزيارة إلى الهند عقد خلالها عدة اتفاقيات شراكة استراتيجية مع العدو اللدود لباكستان. خطوة لا بدّ وأن ترفع من وتيرة التوتر بين إسلام أباد وكابول كما بين الأولى ونيودلهي. الأمر الذي ردّت عليه إسلام أباد بتكثيف الزيارات إلى الصين، لرفع مستوى وحجم العلاقات العسكرية والتجارية معها.
محاولة واضحة لإقامة توازن في وجه التقارب الهندي الأفغاني ناهيك بالتحالف الأميركي الهندي. غير أن بكين ردّت بفتور، حسب ما ذكرته معلومات وتقارير أميركية. فهي معنية بالعلاقات التجارية وليس بالدخول في مثل هذا الاستقطاب الإقليمي في الوقت الراهن.
مأزق متعددة الجوانب
مأزق إدارة أوباما متعدد الجوانب: تأييد الأميركيين للحرب في الحضيض. الإمكانات المالية شحيحة. الانتخابات على الأبواب. والبيت الأبيض يصرّ على سحب حوالي ثلث القوات أوائل الصيف المقبل، ولو أن الوضعين الميداني والحكومي الأفغاني لا يركن إليهما. أحد الخيارات المتداولة وربما الراجحة، أن تقوم القوات الأميركية خلال الأشهر المقبلة وقبل خفضها، بعمليات مطاردة مكثّفة لقيادات حقاني وطالبان وراء الحدود الباكستانية. ويخشى مع مثل هذا الاقتحام لو حصل .
وفي ضوء التأزم الأخير بين واشنطن وإسلام أباد، أن تتطور الأمور إلى الأسوأ؛ في حال وقوع خطأ في الحسابات. وفي مثل هذا الوضع يصبح من غير المستبعد تحريك التحالف الأفغاني الهندي الجديد المحبوك أصلاً لغرض الضغط على باكستان.
الحرب التي اعتقد بوش أنها قد تطول لمدة سنة أو سنتين ، ما زالت بعد عشر سنوات ومئة ألف عسكري وكلفة هائلة بالمال والأرواح من الجانبين، بلا أفق. والأخطر أنها وصلت الآن إلى مفصل يهدّد بتفريخ الحروب المتناسلة عنها، في المنطقة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق