22‏/11‏/2011

إيران على عتبة إنتاج سلاح نووي (2)

د. سامي الفرج


د. سامي الفرج
في ما يلي الحلقة الثانية والاخيرة من التقرير الاستراتيجي الذي اعده الدكتور سامي الفرج حول البرنامج النووي الايراني:

مشروع Green Salt

تقول لورا روزن في مقال متخصص كتبته عن مشروع Green Salt: انه طبقا للمسؤولين الأميركيين والأجانب الذين تمت مقابلتهم بشأن محتويات الكمبيوتر المحمول الإيراني ان المعلومات التي يحتويها تصف مشروعا أطلق عليه الإيرانيون Green Salt Project، هذا المشروع يضم تخصيب اليورانيوم، ومواد شديدة الانفجار، وتصاميم لرؤوس حربية، والذي يبين الصلة بين البرنامج العسكري الإيراني، وما يمكن ان يسمى بالبرنامج الذي يستهدف الاستخدام السلمي للطاقة النووية... وان هذا الدليل إذا ما تم تعزيزه فسوف يحطم إدعاءات إيران بأن برنامجها يستهدف فقط إنتاج الطاقة الكهربائية...
تصف الوثائق التي يحتويها الكمبيوتر المحمول برنامجين اصطلح على تسميتهما بـ L-101 و L-102 من قبل الإيرانيين....
ضم عرض وثائق الكمبيوتر المحمول مختارات من بين ما يزيد على أكثر من ألف صفحة من تمارين المحاكاة الرياضية، ونتائج التجارب التي بينت – طبقا للمسؤولين الأميركيين – جهد مستمر لمدة طويلة لتصميم رؤوس حربية نووية، او ما يشبهها «لمركبة معاودة (اختراق الفضاء الجوي)».
قامت صحيفة تايمز البريطانية بنشر وثائق التقرير بالفارسية وترجمتها وهي التي تتحدث عن الهيكل التنظيمي الذي يبدو أنه يربط جهات مدنية معنية بالبرنامج النووي بجهات اخرى عسكرية مختصة بالبرامج العسكرية التي تحدثنا عنها أعلاه.

التقدير للاستخبارات الأميركية 2008

عموما يعد التقدير الاستخباري للولايات المتحدة لعام 2008 National Intelligence Estimate2008 مماثلا لذلك الذي أصدرته في عام 2007 - والذي اختلف معه العالم كله ربما باستثناء إيران - في الكثير من استنتاجاته ولكنه يختلف مع سابقه في نقاط متعددة.
يقول التقرير الجديد ان تجميد إيران لأنشطتها العسكرية النووية انتهى في منتصف عام 2007، ولكنه مع ذلك يتراجع ويقول انه ليس هنالك من دليل على أن إيران استأنفت محاولاتها منذ ذلك التاريخ!
وكما يلاحظ إفرام كام (نائب رئيس مؤسسة دراسات الأمن الوطني IINSS في جامعة تل أبيب بإسرائيل) فإن عبارة التقدير الإستراتيجي لعام 2008 ليست واضحة في هذا الخصوص:
«إن منظمات الاستخبارات الأميركية لا تملك معلومات كافية لكي تقطع بان إيران مستعدة لمواصلة تجميد نشاطها النووي العسكري».
ولكن ما الذي يعنيه هذا في ضوء أن الولايات المتحدة هي المزود الرئيسي بالمعلومات الاستخبارية للوكالة الدولية للطاقة الذرية المتعلقة بالكمبيوتر المحمول الذي حصلت عليه وكالة الاستخبارات المركزية CIA ونقلته من إيران عام 2004 والذي أشار الكثير من المحتويات التي ناقشناها أعلاه إلى نشاط نووي عسكري إيراني منذ عام 2002 ؟
الاحتفاظ بالخيار
ومن جهة أخرى فإنه كما في التقدير الاستخباري لعام 2007 فإن التقدير الجديد يشير إلى أن إيران تحتفظ بخيار تطوير أسلحة نووية، وأن لديها البنية التحتية التكنولوجية التي تمكنها من تطوير أسلحة نووية.
إن التقدير الجديد يترك مساحة للشك فيما إذا كانت إيران قد قررت نهائيا أن تنتج أسلحة نووية. ومن ثم يؤكد أن الاستخبارات الأميركية لا تعلم فيما إذا كانت إيران تنوي إنتاج أسلحة نووية، ويشير مرتين إلى أن إيران تستطيع أن تطور أسلحة نووية متى ما قررت أن تقوم بذلك.
ولكن ماذا بشأن المدة الزمنية التي من الممكن لإيران أن تحصل على قدرات نووية عسكرية فيها متى ما قررت نهائيا أن تقوم بذلك؟.
كما سوف نلاحظ فيما يلي فإن هذه نقطة الاختلاف الثانية بين التقدير الاستخباري للولايات المتحدة لعام 2008 وتقديرات الأجهزة الاستخبارية لباقي دول العالم.

الفترة الزمنية المتوقعة لتطور سلاحاً نووياً
تقدير روسي سابق: إيران ستصل إلى سلاح نووي عام 2011

كتب العالم النووي ريتشارد جارون في نشرة علماء الذرة Bulletin of the Atomic Scientists الأميركية في يناير 2008 أنه يجب ان تقوم الولايات المتحدة بتقدير متى سوف تقوم إيران بإنتاج سلاح نووي، ليس على أساس نواياها المعلنة (أنها لا تريد تطوير سلاح نووي)، وإنما على القدرات التي نعرف أنها اكتسبتها في مجال تخصيب اليورانيوم، وتكنولوجيا الصواريخ والتسليح.
ومن هذا المنطلق كان قد صدر تقدير روسي عام 2006 توقع ان تصل إيران إلى تصنيع سلاح نووي خلال 5 أعوام من ذلك التاريخ، أي بحلول عام 2011. وفي 19 يناير عام 2006 كتبت صحيفة نيويورك تايمز أن الاستخبارات الألمانية تتوقع ان تصل إيران إلى سلاح نووي خلال 4-3 سنوات منذ ذلك التاريخ، أي بحلول يناير 2010.
وفي فرنسا تحدث الرئيس الفرنسي في خطاب داخلي في قصر الإليزيه لممثلي حزبه (UMP) في الجمعية الوطنية، أنه: «بات في حكم المؤكد لكل أجهزتنا الاستخبارية أن إيران تعمل الآن على برنامج أسلحة نووية ...لا نستطيع أن نسمح لإيران بأن تحصل على أسلحة نووية».

منشأة لأهداف عسكرية
أما بالنسبة إلى بريطانيا فإنه يتم تسريب معلومات من الاستخبارات البريطانية، تتعلق بالهدف العسكري للبرنامج النووي الإيراني، الذي أصبح واضحا للعيان. فلقد نشرت صحيفة تايمز الرصينة في موقعها الإلكتروني يوم 25 سبتمبر 2009 أنه طبقا لمصادرها الدبلوماسية الغربية، فإن الاستخبارات البريطانية لعبت دورا كبيرا في كشف منشأة قم النووية حديثا، وفي البحث عن أي منشآت أخرى تحاول إيران إقامتها من أجل تخصيب اليورانيوم بصورة سرية. وعلى الرغم من أن منشأة قم وفقا للتصريحات الإيرانية قادرة فقط على تخصيب اليورانيوم بدرجة لا تزيد على 5 % وهو الحد الممكن استخدامه للأغراض النووية السلمية، إلا أن الرئيس الأميركي أعلن:
أنه لا حجم المنشأة، ولا نوعها ينطبقان على منشأة نووية للأغراض السلمية (Francis Elliott, Tiimesonline, 25 Sept. 2009). ولهذا فإن الاستنتاج الصحيح هو أن المنشأة أقيمت لهدف عسكري سري، بعيدا عن أنظار المجموعة الدولية.
وفي السياق نفسه مدى معرفة الاستخبارات البريطانية، وقوة الأدلة التي جمعتها، بحيث إنها تتشارك بها مع حلفائهم. سربت صحيفة بريطانية أخرى، هي الديلي إكسبرس خبرا مفاده أن رئيس الاستخبارات الخارجية البريطانية MI6 السير جون سكارليت رأس اجتماعا جمع بين رئيس الاستخبارات البريطانية، وعدد من المسؤولين السعوديين، تشاركوا فيه في الحوار حول تفاصيل المنشأة النووية الإيرانية الأخيرة في قم، بعد أن شاركت الاستخبارات البريطانية بمعلومات مصادرها التي ساهمت في كشف المنشأة. وتقول الصحيفة:
«إن كلا من تل أبيب والرياض ترى أن هذه المنشأة مصدر خطر كبير عليهما»، وهذا يدل على درجة الخطورة التي ترى بها الاستخبارات البريطانية البرنامج النووي الإيراني.
وفي إسرائيل أحاط رئيس شعبة الأبحاث للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية «لجنة الشؤون الخارجية والدفاع» في 1 يونيو 2009 أن الجمهورية الإسلامية «هي بعيدة عن هدفها في تصنيع قنبلة نووية بعام فقط»، وأنه سوف يكون لديها في نهاية 2009 ربما مواد انشطارية كافية لتصنيع هذه القنبلة.

التقديرات الاميركية
أما في الولايات المتحدة، فإنه حتى التقدير الاستخباري الجديد لعام 2008 يظل يعطي إيران زمنا أطول للوصول إلى تصنيع سلاح ذري، وهو الفترة ما بين 2015-2010.
وفي تقدير أميركي آخر أعطت وزارة الخارجية الأميريكية إيران موعدا أقرب للوصول إلى سلاحها النووي، وهو نهاية عام 2013 .
وفي تقدير أميركي ثالث، وهو لرئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مايك مولن في تصريح له في مايو 2009 حذر من أن إيران قد تكون مستعدة لأن تشرع بإنتاج قنبلة ذرية، وأن تحقق هذا الهدف خلال 3-2 أعوام منذ ذلك التاريخ. أي إما في منتصف 2011 أو 2012 على أبعد تقدير.
ولكن إذا ما قارنا كل هذه التقديرات لوجدنا انه حتى في التقديرات الاستخبارية للولايات المتحدة، في مختلف المصادر أعلاه، فإن هنالك نوعا من الإحساس بدرجة من الاستعجال أنه يجب عمل شيء ما لوقف برنامج تخصيب اليورانيوم في إيران بأية صورة من الصور.
حتى تقدير الولايات المتحدة لعام 2008 يشير إلى درجة من الخطورة في البرنامج النووي
الإيراني في قطاعين مهمين وهما:
1. تخصيب اليورانيوم.
2. تطوير تكنولوجيا الصواريخ.
وبالنتيجة، فإذا ما قارنا تقدير 2007 مع تقدير 2008، فإن الأول يركز على أن الإيرانيين أوقفوا برنامجهم العسكري في عام 2003، ويبني نتائج على ذلك، بينما الثاني يركز على التقدم الذي حققته إيران في القطاعين المذكورين أعلاه.
خلاصة التقرير
عند إجابتنا عن السؤال الذي وضعناه لأنفسنا في أول هذا التقرير، وهو: هل تحاول إيران فعلا تطوير تكنولوجيا نووية للاستخدام السلمي فقط، أم أنها تحاول أيضا الحصول على قدرات نووية عسكرية أيضا؟ ومتى سوف تحقق ذلك؟ فإن هذه الإجابة لا بد أن تحيط بكل العوامل والظروف والمتغيرات التي تعرض لها هذا التقرير، وهي إما سياسية، أو تقنية/فنية، وإما مباشرة أو ظرفية.
بالنسبة للقرار السياسي الداخلي، فإن المقارنة ما بين موقف صانع القرار السياسي الآن، وذلك الموقف لكل من شاه إيران، وآية الله الخميني، يشير إلى أن آية الله علي خامنئي لا شك في أن له موقفا مختلفا مؤيدا لحيازة إيران لقدرات نووية عسكرية، وفي أقل حد مقبول له ولدائرة صنع القرار الاستراتيجي الإيراني لأغراض الردع.
أما على المستوى السياسي الخارجي، فلا شك في أن تجربة عدوان صدام حسين على إيران عام 1980، وهزيمته امام الولايات المتحدة عامي 1991 و 2003 أثرتا في صانع القرار الإيراني للسعي إلى امتلاك قدرات نووية لأغراض الردع على الأقل.
كما أن سعي إيران لمد نفوذها الإقليمي، وحالة الزهو التي تعيشها الآن، تذكر بأنه لا بد لها من دور في حيازة قدرات نووية عسكرية.
أما بالنسبة إلى السعي الإيراني للتحكم بالتكنولوجيا النووية، فهنالك أدلة كثيرة على وصول الإيرانيين إلى مراحل متقدمة في هذا السعي، خاصة في ما يتعلق بالاستخدامات السلمية للطاقة النووية. ولكن الطريق الذي اختارته إيران لتطويع التكنولوجيا السلمية لأهدافها التنموية يؤدي في الوقت نفسه إلى ذلك الفائض من يورانيوم 235 وبلوتونيوم 239، وهما مكونات أي رأس نووي عسكري. وهذا يدل بعبارة أخرى أنه لو كان في رغبة إيران أن تصل إلى برنامج وطني نووي سلمي، لما اختارت طريقا ثنائي التوجه مدني/عسكري.

تقنيات لاستخدامات عسكرية
ومن جهة أخرى، فإن الأدلة التي جمعت من وسائل استخبارية، وكذلك آراء العلماء المستقلين في هذه الأدلة تدل على سعي الإيرانيين إلى التحكم في تقنيات ليس لها من استخدام إلا في أسلحة نووية. يضاف إلى ذلك التجارب لتعديل رؤوس الصواريخ، لخلق ذلك التجويف الكافي لحمل رأس نووي.
وبالإضافة إلى ذلك، فإنه لا يوجد دليل واحد على البرنامج النووي الإيراني، كانت إيران قد قدمته طوعا، وإنما كل ما جمع ضدها كان قسرا. أضف إلى ذلك أنها حتى اليوم لم تجب على أسئلة محددة، كان من الممكن أن تفسر موقفها فيها، ولكنها إما امتنعت عن ذلك أو ماطلت حتى اليوم.

متى ستصنع القنبلة؟
كل ذلك يأتي بنا إلى الشطر الآخر من السؤال، وهو إذا كانت إيران تسعى إلى قنبلة نووية، فمتى من الممكن لها أن تحقق ذلك؟ الجواب في نظرنا هو: ذلك الوقت الكافي من منظور علمي بحت لزيادة تخصيب ما توفر لديها من يورانيوم قليل التخصيب إلى درجة التسليح. وهذه المدة وكم تطول وكم تقصر هي التي يختلف عليها العالم، ولكنهم لا يختلفون على أن إيران وصلت إلى هذه القدرة. ولكن بالنظر إلى التقديرات التي أشرنا إليها في صلب التقرير، فإننا نجد أننا نقترب من هذه النقطة، فهي في تقدير الأقلية إما في عام 2010 أو 2011 عام، وعلى ابعد تقدير عام 2012.
ولكن اذا أخذنا بالاعتبار أن مواقف الدول، ومدى تفسيرها لما هو التهديد الذي تمثله حيازة إيران لقدرات نووية عسكرية لأمنها الوطني، متفاوتة، من فنزويلا إلى الولايات المتحدة إلى إسرائيل، لاستنتجنا أن كلا منها سوف يتحرك لوأد المشروع النووي الإيراني (أو لا يتحرك بالمرة) طبقا لهذا التفاوت.
وأخيرا، فإننا إذا أخذنا بعين الاعتبار أنه لا توجد سابقة لإثبات أن دولة ما لديها أهداف نووية عسكرية، إلا بعد أن قامت بتفجير نووي ناجح (إسرائيل، الهند، باكستان، كوريا الشمالية)، فإن استنتاجنا الأخير أن من يعتبرون إيران النووية تهديدا لهم، لن ينتظروا ليقبضوا عليها في حالة التلبس.

المصدر

رابط الجزء الأول




صورة الرأس الكروية لقنبلة البلوتونيوم النووية الإسرائيلية التي نقلها موردخاي فانونو لصحيفة صندي تايمز البريطانيةحلقة المنتج النهائي للبلوتونيوم الذي يستخدم في الاسلحة النوويةصورة المنتج النهائي لليورانيوم 235 المخصب بدرجة %90 للسلاح النووي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق