
منذ قيامها في العام 1979، لم تكن جمهورية إيران الإسلامية أبدا خالية من الدسائس السياسية. بيد أن مستوى الدسائس تزايد، منذ الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها في حزيران 2009. وقد يدفع الانشقاق الأخير بين قطبي نظام الحكم، المرشد الأعلى خامنئي، والرئيس أحمدي نجاد، إيران ونظام الجمهورية الإسلامية الى الاقتراب من حافة الهاوية، بحسب ما يرى مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة مشاة البحرية في كوانتيكو بولاية فرجينيا الأميركية.
ويقول مدير دراسات الشرق الأوسط أمين ترزي في دراسة له استندت الى محاضرة ألقاها في معهد بحوث السياسة الخارجية الاميركية ونشرت على موقع الأخير حديثا: قبل الانتخابات الرئاسية لعام 2009 والتداعيات الداخلية التي تلتها، كانت هيكلية قيادة الجمهورية الإسلامية قابلة للفهم، على رغم أنها كانت محيرة وغامضة. فقد كان مكتب القائد الأعلى، سواء نظريا ام عمليا، هو الحكم النهائي في اللعبة، وكيان محايد وبمعزل عن الهياكل الإدارية القائمة. كان شخص خامنئي ومنصبه بمثابة مصدر الشرعية النهائية ضمن نظام الجمهورية الاسلامية وبمثابة حارس للنظام. تغير كل ذلك حينما دعم المرشد الاعلى وبشكل صارخ وغير مشكوك فيه أحمدي نجاد قبل الانتخابات وبعد فوزه المثير للجدل. أزال ذلك التصرف أي إحساس بان مكتب المرشد الأعلى وشخص خامنئي محايد وفوق المكائد السياسية والتلاعبات.
وفي حين تركز معظم اهتمام العالم على أنشطة المعارضة الشعبية وثورتها الخضراء بعد نتائج الانتخابات المثيرة للجدل، برز خلاف بين المرشد الأعلى والمرشح الذي اختاره، وأعيد انتخابه رئيسا. إذ أن التحالف الذي تشكل لتحقيق مصالح سياسية قبل الانتخابات الرئاسية في العام 2005 لمنع المعسكر البراغماتي الإصلاحي من تولي مناصب سياسية وتعزز في التحضير لانتخابات 2009 يبدو الآن أنه يتفكك. فقد بدا الرئيس الواثق من نفسه والمنتخب حديثا يؤكدا استقلاليته، وهو امر يمثل بالنسبة للمحافظين المصطفين مع خامنئي، انحرافا عن المسار الصحيح للثورة الإسلامية.
واذا ما تحدثنا بلغة الملاكمة، حانت ساعة نزع القفازات. في يوليو 2009 ، عين احمدي نجاد اسفنديار رحيم مشائي بمنصب نائب أول للرئيس، ولكن خامنئي ضغط على أحمدي نجاد لتغيير التعيين. وفي حين رضخ نجاد لهذا المطلب من المرشد خامنئي، تحدى الأخير في الوقت نفسه من خلال تعيين مشائي رئيسا لمكتبه. علاوة على ذلك، وفي كانون الأول، أقال أحمدي نجاد، وجراء الحاح من مشائي، وزير خارجيته منوشهر متقي في حين كان الأخير في زيارة رسمية لأفريقيا. واعتبرت إقالة متقي توبيخا لخامنئي بسبب حيلولته دون تعيين مشائي في منصب النائب الاول للرئاسة.
استمر التوتر في التصاعد بين مكتب الرئيس ونظيره مكتب المرشد الاعلى، ومعظم ذلك التصعيد جرى في العلن، حتى وصل المكتبان الى التصادم بشان إقالة أحمدي نجاد وزير الاستخبارات حيدر مصلحي وهو ما رفضه المرشد الاعلى في نيسان 2011. ويدل العداء المتزايد بين الرجلين ومكتبهما على اتساع الصدع في نظام حكم الجمهورية الإسلامية، وهو شيء لم يسبق له مثيل منذ الأيام الأولى للثورة .
الحرس الثوري يمرن عضلاته
أعلن الجنرال محمد علي جعفري، قائد فيلق "الحرس الثوري"، في مقابلة في تموز 2011 أن الحرس الثوري الإيراني، اعتقل عددا من ألأفراد بتهمة ارتكاب انتهاكات اقتصادية وأخلاقية. وحدث ان هؤلاء الأفراد لديهم أيضا علاقات وثيقة مع أنصار أحمدي نجاد ومشائي، أو أنهم من الوجوه الحقيقية في "التيار المنحرف "، كما لمّح جعفري. ان ما يوحي به هذا التصريح هو أن الحرس الثوري يسعى لتوسيع سلطته داخل نظام الجمهورية الإسلامية. نعم سبق للحرس الثوري الإيراني ان حذر الرئيس السابق محمد خاتمي من ألا يبتعد كثيرا عن طريق الثورة الإسلامية، إلا أن ذلك تم عبر المراسلات الخاصة، وليس عبر الصحافة، وليس من دون المراعاة المعتادة للمكتب الذي يخضع له الحرس الثوري.
ان المهمة الرئيسة للحرس الثوري هي الحفاظ على الثورة الإسلامية، بما في ذلك مكتب المرشد الأعلى. ومنذ قيام الجمهورية الإسلامية، تم الإبقاء على صلاحيات السلطة القضائية، على الأقل ظاهريا، خارج سلطة الحرس الثوري. لكن تصريح جعفري العلني بأن قواته هي في الواقع منفذ القانون انما هو تغيير في قواعد اللعبة المحتملة. وقد تحول ميزان القوى. فمع دعم خامنئي العلني وغير المسبوق لأحمدي نجاد والسجال اللاحق والعلني بين الحلفاء السابقين، خسر خامنئي ومكتبه مصداقية كثيرا، وصار يعتمد أكثر على الحرس الثوري لحماية نظام الجمهورية الإسلامية، وبالتالي، تغيرت العلاقة بين المرشد والحرس الثوري من علاقة مرشد وتابع الى علاقة اعتماد متبادل من أجل البقاء المشترك .
القضاء على النظام الرئاسي؟
عزز خامنئي في خطاب ألقاه مؤخرا المنزلة العالية لمكتبه، مؤكدا أن دور مكتب المرشد هو الإشراف وليس الإدارة، وانه كمرشد مكلف بالإشراف على الفروع الإدارية للحكومة وحماية الاتجاه العام لنظام الجمهورية الاسلامية. ولمح أيضا خلال هذا الخطاب أنه إذا اقتضت الضرورة فان الجمهورية الإسلامية قد تحول النظام الرئاسي الحالي إلى نظام برلماني للحكم. وكان ذلك تهديدا سافرا. ومن خلال ذلك الخطاب، وجه خامنئي تحذيرا إلى احمدي نجاد وأنصاره أنهم وبوصفهم أفرادا وكذلك بوصفهم يمثلون أعلى الفروع الإدارية المنتخبة في الحكومة، يمكن التضحية بهم إذا لزم الأمر للحفاظ على نظام الجمهورية الإسلامية وان خامنئي لديه الصلاحية لتنفيذ ذلك. ولكن هل يقوم بذلك؟
نهاية الجمهورية الإسلامية؟
يبقى السؤال ما إذا كان خامنئي ومكتب المرشد الأعلى يتمتع بمستوى الدعم الذي كان يتلقاه قبل العام 2005، ولاسيما في ضوء الانتخابات التي تلت العام 2009 والمناورات السياسية التي اعقبتها. وإذا كان الجواب بالنفي، فان المرشد الأعلى يدع المجال للحرس الثوري لـ"اقحام نفسه" بوصفه الحامي الحقيقي للمنظومات الإدارية للجمهورية الإسلامية وتهميش مكتب المرشد الأعلى او تغيير صلاحياته إذا كان نظام الجمهورية الإسلامية يتطلب ذلك أو إذا كان ذلك مطلبا للحرس الثوري نفسه. وهذا من شأنه وضع حد لجمهورية إيران الإسلامية كما نعرفها منذ العام 1979. ومن باب المفارقة الساخرة قد يكون احمدي نجاد، وهو الرجل الذي جاء ليجسد كل ما هو سلبي عن نظام الحكم في طهران، نقول قد يكون في الواقع جالب الشؤم الذي سيلحق بالجمهورية الإسلامية، والعقاب الذي سينالها على أخطائها التي ارتكبتها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق