03‏/12‏/2011

سلاح الجو العراقي ... البناء المتأخر


بعد اتفاق تسليم السيادة الى الجانب العراقي في حزيران من العام 2004 لم يبذل المسؤولون العراقيون الجهود من اجل اعادة بناء الجزء الأهم من القوات المسلحة والمتمثلة بسلاح الجو ,حيث ضاعت فرصة ثمينة لإمكانية شراء طائرات مقاتلة ومن عدة مناشئ عالمية بضمنها الولايات المتحدة من اجل تامين الاجواء العراقية لمرحلة ما بعد الانسحاب الامريكي وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة بهذا الشأن.
لكن ارتباط صفقات شراء الأسلحة بحالات فساد قام بها مسؤولون كبار في وزارة الدفاع العراقية كما في قضية قيام وزير الدفاع الاسبق حازم الشعلان باختلاس اضخم مبلغ في تاريخ الحكومة العراقية ويقدر بمليار دولار وذلك عندما قام الوزير الشعلان وبمساعدة من قبل عدد من المسؤولين في الوزارة على صلة شخصية به بتأسيس شركة وهمية في احد العواصم العربية المجاورة للعراق وإحالة صفقات شراء الاسلحة اليها وبأثمان مرتفعة تصل الى عشرة اضعاف سعرها الحقيقي وتحويل هذه المبالغ الى ارصدة في احد المصارف الاجنبية وشراء اسلحة خارجة عن الخدمة للجيش العراقي على انها اسلحة حديثة ومتطورة شكلت ضربة لجهود العراق الرسمية لبناء جيش متطور ,اضافة الى ان انشغال الحكومة بالملف الامني ومعالجة تداعيات وجود الاف الإرهابيين المسلحين على الأراضي العراقية بضمنهم عدد كبير من العرب والأجانب والذين قاموا بشن حرب ضارية على الحكومة والمواطنين العراقيين أضاع في الواقع وقتا ثمينا للاهتمام بملف اعادة بناء سلاح الطيران العراقي الذي لم تكن الخطوات التي اتخذت في السابق لإعادة بنائه كافية لأعادته الى مستواه السابق ,حيث لم تقم الحكومة العراقية بعقد اية صفقات لشراء طائرات مقاتلة متطورة من اية جهة كانت بالرغم من الزيارات العديدة التي قام بها مسؤولون كبار في الحكومة للعديد من الدول الأوروبية التي تملك مصانع لانتاج الطائرات الحربية ورغم وفرة الموازنة العراقية التي تسمح للحكومة بإبرام تلك الصفقات وشراء العديد من انواع الطائرات الحربية المتطورة مما جعل البلاد في موقف صعب ,خصوصا وان عدم امتلاك العراق لاية طائرات مقاتلة سيجعله بحاجة دائمية ومستمرة الى الطيران الأمريكي لحماية اجوائه .
صحيح ان الحكومة العراقية وقعت مؤخرا اتفاقا لشراء طائرات امريكية متطورة من طاراز اف -16 الا ان هذه الصفقة ستستغرق اعواما طويلة قبل ان يتمكن العراق من امتلاك تلك الطائرات والتحليق بها من قبل الطيارين العراقيين بسبب إجراءات الحكومة الأمريكية وموافقة الكونغرس الامريكي التي تاخذ وقتا طويلا قبل ان يتم تسليم الاسلحة المتعاقد عليها . ان الاقتصار على شراء الطائرات من الجانب الامريكي لا يعد امرا كافيا ,اذ ان البلاد بحاجة الى العديد من الطائرات الحربية ومن عدة جهات كفرنسا وروسيا من اجل تنويع مصادر السلاح وضمان استقلالية القرار الوطني وتعزيز عملية المحافظة على السيادة العراقية تحسبا لأية تغييرات او ضغوطات قد تتعرض لها الحكومات العراقية مستقبلا من قبل الجانب الامريكي ,اضافة الى ان لدى العراق الخبرة الكبيرة في التعامل مع الاسلحة المشتراة من روسيا وفرنسا باعتبار ان تسليح الجيش السابق كان في اغلبه روسيا وفرنسيا وخصوصا في محال الطيران .
يتالف سلاح الجو العراقي حاليا من عدة عشرات من الطائرات الخفيفة المعدة لاغراض المراقبة والاستطلاع وهي طائرات صغيرة وغير مصممة لأغراض الاشتباك الحربي أو الهجوم الأرضي مما يعني انه لا توجد لدينا اية امكانية لحماية الاجواء العراقية من اية خروقات قد تقوم بها طائرات دول الجوار وغيرها للأجواء العراقية .كما ان مواجهة العصابات الإرهابية المسلحة تقتضي وجود طائرات مقاتلة لدى الجيش العراقي لقصف مخابيء واوكار تلك الجماعات وتقديم المعاونة للأجهزة الأمنية وعدم السماح لهذه العناصر بالإفلات ,اذ ان المواجهة المباشرة مع قوات الجيش قفد تؤدي الى حصول خسائر بشرية في صفوفها ,فضلا عن انه يحرمها من عامل المفاجأة في مداهمة تلك المخابيء والقاء القبض على عناصر الزمر الإرهابية المسلحة ,اضافة الى امكانية ملاحقتها في حال تمكنها من الافلات وهي استراتيجية تعد ضرورية ,خاصة وان هذه المجموعات قد تحاول استغلال الفراغ الامني ووجود قصور في عملية تجهيز القوات الأمنية بالأسلحة والمعدات لشن هجمات إرهابية في انحاء متفرقة في البلاد وهو سيناريو متوقع الحدوث في اية لحظة .
لقد تسببت عمليات السلب والنهب التي تعرضت لها معسكرات وقواعد سلاح الجو العراقي بعد انهيار وسقوط النظام السابق في تهريب العديد من الطائرات الحربية الحديثة والمتطورة والتي كان الجيش العراقي السابق يملكها وقام النظام بدفنها في الرمال تجنبا لتدميرها من قبل سلاح الطيران الامريكي ،حيث بيعت تلك الطائرات في أسواق الخردة كما ذهب قسم منها الى افران الصهر وتحويلها الى قضبان حديدية مما جعل الخسارة كبيرة . كما ان اية جهة حكومية لم تتصدى لتتبع تلك الطائرات واستردادها من ايدي تجار الخردة في العديد من المناطق العراقية الذين احتفظوا بتلك الطائرات طويلا قبل ان يقوموا بتقطيعها لاحقا وبيعها كقطع حديدية لا قيمة لها . يذكر مراسل وكالة الصحافة الفرنسية في تقرير اعده قبل عدة اعوام بان تاجر خردوات عراقي كان يحتفظ بطائرة حربية عراقية من طراز ميغ – 25 المتطورة في باحة مخزنه لفترة طويلة قبل ان يقوم ببيعها الى خارج العراق بسعر وصل الى 25 الف دولار رغم انه حصل عليها بسعر مليون دينار عراقي فقط من قبل احد المواطنين ، حيث كان بالامكان تتبع تلك الطائرات واستعادتها وأجراء عمليات الصيانة لها وإعادتها الى الخدمة من جديد ريما تتمكن الحكومة من شراء طائرات حديثة واستخدامها في الإغراض الحربية المتعددة . ان التأخير في عملية اعادة تأهيل سلاح الجو العراقي أمر لا يخدم التوجهات نحو صياغة استقلال وطني متكامل وصحيح بعيدا عن الضغوط التي تتعرض لها البلاد بعد الانسحاب الأمريكي وتكرار سيناريو الأعوام (1958-1963) والتي كان فيها العراق عرضة لضغوط إقليمية مارستها دول عربية كمصر والسعودية ودولية كالولايات المتحدة وبريطانيا والتي قادت الى وصول حزب البعث الى السلطة بانقلاب دموي وفتحت الطريق امام هيمنة القوى الدكتاتورية المتسلطة وتأسيس الانظمة الشمولية التي اوقعت البلاد في فخاخ الحروب والازمات غير المنتهية .
عملية اعادة بناء سلاح الجو وكذلك شبكة الدفاع الجوي تحتاج الى خطط مدروسة والى توفير اموال وكذلك الى خبرلات ومهارات لا تبدو متاحة الان ولا ترقى الى نصف ما عند جيراننا من اسلحة مماثلة فدولة بحجم الكويت تتفوق علينا في سلاحي الطيران والدفاع الجوي فهي تملك اكثر من 80 طائرة مقاتلة حديثة ومتطورة وطائرات هليوكوبتر هجومية من طراز اباتشي ,فضلا عن منظومات من صواريخ باتريوت التي تسقط اية طائرات او صواريخ يمكن ان تقترب من الاجواء الكويتية بينما تشير التقارير الى امتلاكنا لرادار واحد فقط تم جلبه من جمهورية التشيك لحماية اجواء العراق التي تحتاج الى اكثر من 100 رادار من هذا الطراز ,اضافة الى ان رصيد الجيش العراقي من اسلحة الدفاع الجوي يصل الى الصفر تقريبا وهي مؤشرات تؤكد بان الطريق ما زال طويلا قبل ان تتمكن الحكومة من ترميم الثغرة الحالية وملء الفراغ ووضع خطط ورصد موازنات مالية تبدو ضرورية لحماية البلاد وصيانة استقلالها الوطني والذي من غير الممكن ان يكون متكاملا من دون وجود قوة رادعة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق