09‏/12‏/2011

الحـوثـيــــون.. حــزب اللـــه اليمــــاني القـــــــادم

 


انتصار البناء
ظلت تحركات الحوثيين التوسعية التي اشتدت وتيرتها قبل شهرين تقريباً في مأمن من التغطية الإعلامية حتى وقع الحوثيون، مؤخراً، في خطأ (طائفي) استراتيجي بمحاصرتهم قرية دماج في محافظة صعدة التي تسكنها غالبية سنية سلفية، حيث طالبوا بإغلاق مركز دماج العلمي الذي يرتاده طلبة العلم الشرعي من اليمن ومن خارجها وطالبوا بنقله إلى محافظة أخرى لأنه ينشر، بحسب بياناتهم، أفكاراً تكفيرية ويصدّر فتاوى «طاعة ولي الأمر» التي تضمن تمسك علي عبدالله صالح بالرئاسة، كما شنوا عمليات عسكرية عنيفة ضد أهالي القرية الذين يتجاوز عددهم 12 ألف نسمة بحجة محاربة جماعات تكفيرية مسلحة، ومنعوا وصول إمدادات الإغاثة من الطعام والدواء، مما أسفر عن مقتل العشرات من بينهم طلبة علم من جنسيات متعددة أمريكية وفرنسية وماليزية، فانبرى علماء الدين في الخليج واليمن ينددون بمجازر الحوثيين ضد طلبة العلم، ومن ثم سلط الإعلام الضوء على القتال الدائر في دماج، فانكشفت كل تحركات الحوثيين في هذا الوقت الحرج من تاريخ اليمن. بداية تحركات الحوثيين الحالية كشفتها المصادر الإعلامية لشباب الثورة في ساحات التغيير، حيث صدرت عنهم بيانات تؤكد أن تنسيقاً ما يجري بين الحوثيين والرئيس علي عبدالله صالح قبل توقيعه المبادرة الخليجية، وكشفت المصادر أن الحوثيين يوسعون مواقعهم العسكرية في عدة محافظات مستغلين قوتهم العسكرية وتحالفاتهم القبلية، وقد أعرب وفد شباب الثورة الذي زار قرية دماج لتقصي ما يحدث فيها أن الحوثيين يسعون إلى تطهير محافظة صعدة وما جاورها من السنة وأن الوضع الإنساني حرج للغاية في دماج وأنهم أنفسهم لم يتمكنوا من تفقد أحوال القرية بسبب مضايقات قوات الحوثي واضطروا للخروج منها هرباً بسبب محاصرة القوات لهم وتهديدهم، وهو ما عدّه شباب الثورة انقلاباً من الحوثيين على الثورة وانحرافاً نحو مصالحهم الشخصية. وقبل تفسير هذه التحركات يبدو من المهم إعطاء مقدمة تاريخية مختصرة عن الحركة الحوثية في اليمن، فالحوثيون هم أتباع الشيخ بدرالدين الحوثي، ومركزهم محافظة صعدة شمال اليمن، وينتمون إلى الفرقة الجارودية وهي إحدى فرق المذهب الزيدي الذي يعد من المذاهب الشيعية التي تتقارب مع مذاهب أهل السنة أكثر من تقاربها مع المذاهب الشيعية الجعفرية، فالزيديون ليسوا إمامية، بمعنى أنهم لا يؤمنون بالإمامة الإلهية لآل البيت عليهم السلام استناداً إلى تأويلات نصوص من القرآن والسنة كما تعتقد الإمامية، ولا يجمعون الصلوات ولا الأخماس ولا يقرون بزواج المتعة، والخلافات بينهم وبين مذاهب أهل السنة اختلافات فقهية في زيادة عبارة (حي على خير العمل في الأذان) وتبديعهم لإقامة صلاة التراويح في جماعة.. وغيرها، كما إن لهم نظريتهم السياسية التي يرون فيها أن أولى الناس بإمامة المسلمين هم الهاشميون، ولكن يجوز تولي من هو أقل فضلاً منهم إذا أجمع عليه المسلمون وإذا لم يخرج هاشمي تنطبق عليه شروط الإمامة للمطالبة بها، وهم يقرون بفضل الصحابة وعدالتهم ويترضون عنهم وإن كانوا يرون أن علياً أفضل من أبي بكر وعمر رضي الله عنهم جميعاً وأحق منهما بالإمامة السياسية، ويجوزون وجود إمامين للمسلمين في وقت واحد في أكثر من مكان، وهم بذلك يختلفون جوهرياً مع الشيعة الجعفرية الإمامية. وعلى الرغم من التعددية الدينية والمذهبية في اليمن، حيث يغلب فيها المذهب السني الشافعي ويشكل الزيدية ثلث السكان مع وجود أقليات من فرق المتصوفة والإسماعيلية (البهرة) واليهود، وعلى الرغم من أن اليمن رزحت تحت حكم الإمامة الزيدية في ظل أسرة حميد الدين لما يربو على الأحد عشر قرناً حتى عام 1962م، وعلى الرغم من أن الرئيس الحالي علي عبدالله صالح الذي حكم اليمن ثلاثة وثلاثين عاماً زيدي المذهب، فإن تاريخ اليمن الحديث يتسم، عامة، بالسلم الأهلي من جهة الحالة المذهبية، إلى أن ظهرت الحوثية بملابساتها الطائفية ووصلت الأمور إلى إعلان الحرب والخروج المسلح على الدولة. بدأت القضية الحوثية حين دخل بدر الدين الحوثي أحد علماء الزيدية في خلافات حادة مع علماء الزيدية حول ضرورة النسب الهاشمي في إمامة المسلمين، حيث يرى معظم علماء الزيدية في اجتهاداتهم التجديدية للمذهب أن هذه النظرية كانت نتاج ظرف تاريخي خاص وأن الزمن قد تجاوزها، وأصبح من غير الملْزِم تولي الهاشمي الإمامة إذا خرج مطالباً بها حتى وإن توافرت فيه كل شروط الأهلية كما نص المذهب، وقد غادر بدر الدين الحوثي اليمن إلى إيران ولبنان حيث مكث هناك عدة سنوات من عام 1994-1997م، وعاد بعدها إلى اليمن وقد تبنى المذهب الاثني عشري. ونتيجة لانشغال المنطقة بالحرب على الإرهاب والمقصود بها مطاردة عناصر القاعدة في كل الجزيرة العربية، ونتيجة لوجود الانفتاح السياسي الذي شهدته اليمن بعد الوحدة؛ سمح لبدر الدين الحوثي بعد عودته بفتح مراكز دينية يروج فيها لفكره، كما سمح لأتباعه بتشكيل حزب سياسي بقيادة ابنه حسين بدر الدين الحوثي سمي (حزب الحق) تمكن من خلاله الوصول إلى البرلمان، كما إن الحوثيين لقوا دعماً من علي عبدالله صالح كي تقوى شوكتهم أمام حزب الإصلاح الإخواني المعارض الذي يتزعمه الزنداني. وكان بدرالدين الحوثي ينفي اعتناقه للمذهب الشيعي الاثني عشري مفسراً آراءه أنها تلتقي مع الاثني عشرية في الاحتفال بعيد الغدير وعاشوراء فقط . غير أن مؤشرات كثيرة ترجح عكس ذلك، منها المراجعات التي عقدها بعض علماء الزيدية لأفكاره والتي اتهموه بموجبها بخروجه عن المذهب الزيدي وترويجه للمذهب الاثني عشري وكانت أخطر أفكاره تكفير الصحابة وتحميلهم مسؤولية كل المصائب التاريخية التي مرت بالأمة لأنهم عصوا الله ورسوله ولم يسلموا الإمامة لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه، كما تصدوا لدعواته جمع الخمس له، وترافق مع تحركات الحوثي المذهبية صدور عدة محاضرات ومنشورات للشيخ علي الكوراني وهو أحد مشايخ الشيعة المتزعمين لحركة التمهيد التي تبشر بعصر خروج المهدي المنتظر استناداً إلى عدة علامات آنية، منها خروج اليماني من اليمن وهو ملك اسمه (حسين أو حسن) من إحدى قرى بني خولان قرب صعدة، يخرج لمواجهة السفياني فيقتله ويبسط قوته في الجزيرة العربية لتوفير العون للمهدي حين يخرج، ولنا أن نلحظ التطابق بين ما أسماها الكوراني(بشارة) وبين واقع الحوثيين الجغرافي في صعدة وحتى اسم اليماني فحسين ابن بدرالدين الحوثي، هو الذي أسس حزب الحق وبدأ التحرك الميداني ضد الدولة وهو الذي قاد الحرب الأولى وقتل فيها عام 2004م، مما يعطي مؤشرا أن حركة الحوثيين تحظى بغطاء ودعم من علماء شيعة خارج اليمن، والنظرية كلها مفصلة في هذا الرابط من موقع علي الكوراني على شبكة الإنترنت. http://www.alameli.net/books/index.php?id=2162 كشفت حروب الحوثيين الستة عن قوة نوعية في العتاد والتدريب يتعذر على جماعة مدنية أياً كانت قوتها وتنظيمها أن تمتلكها، كما انكشفت العديد من الوثائق التي تثبت دعماً إيرانياً للحوثيين تحت مسمى خطة «يمن خوش هال» التي تعني بالإيراني «اليمن السعيد» وترمي إلى تفتيت اليمن إلى دويلات تكون إحداها إمارة شيعية في شمال اليمن، كما تضمّن الدعم، بحسب الوثائق التي أعلنت عنها الحكومة اليمنية، مبالغ مالية وتدريبات على تصنيع العبوات الناسفة والتحشيد الجماهيري، وكان أحد معاقل الدعم المالي والاستخباراتي للحوثيين المستشفى الإيراني بصنعاء الذي يطل على مبنى جهاز الأمن السياسي والذي أغلقته السلطات اليمنية في أكتوبر 2009م، يضاف إلى ذلك ما أعلنته الحكومة اليمنية أن بعض المعتقلين من أتباع الحوثي اعترفوا بتلقيهم تدريبات عسكرية في العراق على أيدي قوات فيلق بدر والحرس الجمهوري، والكثير من التصريحات اليمنية التي كشفت عن العثور على أسلحة إيرانية بحوزة الحوثيين تم توصيلها لليمن عبر جزر أريتريا على مدخل باب المندب. لكن القضية لم تأخذ زخماً حقيقياً إلا عندما تعدى الحوثيون في حربهم السادسة الحدود السعودية عام 2009م زاعمين أنها تدعم النظام في حربهم ضدها، عدا ذلك فقد كان الحوثيون يحظون بتعاطف يمني لأن التاريخ اليمني الحديث لم يشهد صراعاً مذهبياً سابقاً، ولأن تصريحات الحوثي السياسية كانت تطالب بالإصلاح في منطقة صعدة المهمشة وشق الطرق والإعمار وتشييد المدارس والمستشفيات ما جعل قضية صعدة في هذا الجانب قضية عادلة، ولأن اليمن عامة كانت تعاني مشاكل سياسية عديدة وجمة نتيجة أخطاء النظام منها مطالبات الحراك الجنوبي بالانفصال ومشاكل القاعدة، ومشكلات التنمية التي كانت تتفاقم عاماً بعد عام، مما جعل قضية الحوثيين، في نظر الكثير من اليمنيين، إحدى مشكلات النظام السياسية في طريقة إدارته لأمور الدولة السياسية والمالية والتنموية. ويمكن تفسير التحرك التوسعي للحوثيين في هذا التوقيت على أنه استعداد لفرض استحقاقات جديدة على الدولة اليمنية الجديدة تطرح فيها قضية الحوثيين من باب النفوذ والثقل الجغرافي والعسكري، فالتقارير تشير إلى أن توسع الحوثيين الجغرافي يسير نحو هدفين، الأول الوصول إلى نقطة بحرية تضمن لهم إمدادات بحرية وتنقلا بحرياً حراً خارج سيطرة الدولة، والثاني تطويق العاصمة صنعاء من خلال التحالفات القبلية التي يحظى بها الحوثيون مما يمكنه من التهديد بمحاصرتها والهجوم عليها متى شاء. وقد يستغل الحوثيون هذه المكتسبات إذا ما تمكنوا منها، في مساومة الدولة الجديدة في أخطر تحديين ستواجهما، التحدي الأول: جمع السلاح من القبائل وتنظيم حملة في المدن الرئيسة وهو تحدٍ كبير نتيجة الإرث القبلي والأعراف ونتيجة التوازنات القبلية التي تجعل كل قبيلة تتمسك بسلاحها ردعاً لنشوب أي خلاف مع إحدى القبائل أو مع الدولة، وستكون المشكلة مع الحوثيين أصعب إذ إن ترسانتهم أكثر عدداً وتقدماً نتيجة ما يقال إنه مدد إيراني، إذ ربما يرفض الحوثيون تسليم سلاحهم بحجة الوضعية المذهبية الخاصة ووقوعهم بين مسلحين سلفيين، كما يروجون الآن في بياناتهم، والاحتراز من خطر القاعدة، ومجاورتهم للسعودية التي تدين لهم بالعداء والعديد من المبررات التي قد تتحول بموجبها الحركة الحوثية إلى نسخة مطابقة لحزب الله اللبناني في البنية الآيديولوجية والواجهة الحزبية السياسية (حزب الحق) المقارب من حيث الاسم لحزب الله، والجناح المسلح تسليح جيوش دولة الذي يمكنهم من احتلال صنعاء كما احتل حزب الله بيروت أثناء مساوماته للحكومة اللبنانية وضغطه عليها. والتحدي الثاني هو فكرة الفدرالية التي قد يطرحها الحراك الجنوبي بديلاً عن الانفصال عن شمال اليمن، الأمر الذي قد ينتج عنه مطالبة الحوثيين بإقليم إداري مستقل بناء على الاستحقاقات الجغرافية التوسعية التي يعملون على إنجازها قبل تشكيل الدولة الجديدة، والتي على أساسها سيتشكل إقليم شيعي إمامي اثني عشري شمال اليمن وجنوب السعودية، التي هي المستهدفة بالدرجة الأولى من الحراك الحوثي. إن البؤر المتوترة مذهبياً التي زرعتها إيران في كل من لبنان وسوريا والعراق والبحرين والقطيف واليمن تستهدف إطباق الطوق على الدولة السعودية وخنقها لتضعف أمام المتمدد الإيراني، وقد تمكنت إيران من اختراق اليمن عبر الحوثيين ورسمت استراتيجية لتأسيس دولة شيعية تماثل في تكتيكاتها تحركات حزب الله في فرض هيمنة عسكرية على الدولة اللبنانية، ومشروع انفصال يماثل مشروع انفصال جنوب العراق الذي صفي من السنة وأصبح مستعمرة إيرانية يعمل بعض السياسيين للمطالبة باستقلاله. من هنا تبرز أهمية احتواء دول الخليج للأزمة في اليمن وعدم التفريط في اليمن باعتباره عمقاً للأمن القومي الخليجي، والتدخل إيجاباً بما يحفظ وحدة اليمن واستقراره ويحقق طموحات اليمنيين في ثورتهم، خصوصاً وأن بعض بنود المبادرة الخليجية جاءت دون طموحات الثوار، الأمر الذي قد يوتر العلاقات اليمنية الخليجية مستقبلاً، وهو ما يتعين على دول الخليج أن تتجنبه وتتجنب آثاره الوخيمة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق