يشكل تدخل الأجهزة الأمنية في مختلف تفاصيل الحياة السورية والعنف الذي تمارسه، أحد الأسباب الرئيسية للأزمة التي تشهدها البلاد. لكن، وحتى لحظة كتابة هذا التحقيق، كانت معالم هذه الأجهزة مجهولة. فالمتتبع يضيع وسط أسمائها وأسماء رجالها، لا سيما وأن التداخل في أعمالها كبير. ويمكن لضابط سوري أن ينام في جهاز، ويستيقظ في جهاز آخر مستقل تماماً عن الأول.
في «كائن لا تحتمل خفّته»، يورد الكاتب ميلان كونديرا أن «تفتيش المواطنين ومراقبتهم يعتبر من النشاطات الاجتماعية الأساسية والدائمة في البلدان الشيوعية. فلكي ينال رسام حقه- مثلا- في إقامة معرض، أو يحصل مواطن على تأشيرة لقضاء عطلة على الشاطئ (...)، يجب أولا تقديم تقارير وشهادات ثبوتية لا عد لها ولا حصر، بما في ذلك شهادة من حارس المبنى السكني، وأخرى من زملاء العمل، وثالثة من شرطة الحي، ورابعة من خلية الحزب التي ينتمي إليها (حكما)، وأيضا من لجنة التأميم... كل هذه الإثباتات يجمعها فيما بعد ويقيّمها ويراجعها موظفون مدربون لهذه المهمة. أما ما يقال في هذه التصاريح فلا علاقة له البتة بموهبة المواطن في الرسم أو بهدف الرحلة الى الشاطئ (...). هناك أمر واحد مهم: «الخلفية السياسية للمواطن».
لم يتسن لكونديرا، الروائي التشيكي اليساري، التعرف على البلدان العربية ليكتب عن «النشاطات الاجتماعية الأساسية والدائمة» فيها. ففي سوريا، على سبيل المثال «لكي ينال رسام حقه في إقامة معرض أو يحصل مواطن على تأشيرة لقضاء عطلته على الشاطئ، يجب أن تجتمع أصلا كل أنواع التقارير والشهادات التي تخصهم». لكن المشكلة أن الملف لا يستكمل بتوقيع جهاز استخباراتي واحد. فهناك أربعة أجهزة مستقلة، لكل منها «ناطور وزملاء عمل وشرطة وخلية حزب ولجنة تأميم». وهذه الأجهزة الأربعة هي: جهاز أمن الدولة، جهاز الأمن العسكري، جهاز الأمن السياسي، وجهاز المخابرات الجوية.
أولا: جهاز أمن الدولة
يعرف هذا الجهاز أيضا باسم إدارة المخابرات العامة (مقره الرئيسي قرب مستديرة كفرسوسة). أشهر رؤسائه نزيه زرير، وماجد سعيد، ومحمد ناصيف (علوي) الذي يلعب بعد تقاعده منذ عدة سنوات دور مساعد لنائب رئيس الجمهورية، والمستشار الأمني الخاص للرئيس بشار الأسد.
يتألف هذا الجهاز من فروع عدة مستقلة ومركزية، كالفرع 253 في منطقة السادات (أشهر رؤسائه محمد ناصيف، علوي)، الفرع 295 أو فرع المداهمة والاقتحام في منطقة كفرسوسة (من أشهر رؤسائه محمد بريمو وعدنان ديوب). وفي كفرسوسة هناك أيضا فرع التجسس الذي رأسه سبع سنوات اللواء بهجت سليمان (علوي)، فرع المعلومات وفرع التحقيق. إضافة إلى فرع مخابرات درعا، فرع مخابرات القامشلي، فرع مخابرات دير الزور، فرع مخابرات إدلب وفرع الحلبوني.
وهناك في هذا الفرع خمسة أسماء أساسية وبارزة، هي:
ـ اللواء علي مملوك (سني) رئيس جهاز أمن الدولة. وقد عين مملوك في هذا الموقع عام 2005، خلفا للواء هشام البختيار (مواليد 1941) إثر انتخاب الأخير عضوا في القيادة القطرية لحزب البعث، وتكليفه رئاسة مكتب الأمن القومي. ومملوك كان من أصغر الضباط الذين انتقاهم الرئيس حافظ الأسد لشغل أكثر المواقع حساسية في النظام السوري. فهو من مؤسسي جهاز المخابرات الجوية الذي يتردد في سوريا أنه الجهاز الأول على صعيد المؤهلات والكفاءات البشرية والتقنية.
ـ اللواء فؤاد ناصيف (سني) رئيس فرع الأمن الداخلي في جهاز أمن الدولة. وقد خلف ناصيف في هذا الموقع، عام 2005، اللواء بهجت سليمان الذي يعتبر أحد أهم الضباط السوريين، فكان يتمتع بنفوذ كبير في الحياة السياسية السورية واللبنانية، وقد ورد اسم سليمان ضمن الاتهامات الأميركية لسورية بتجارة السلاح مع العراق قبل الحرب، وبدعم تسلل المسلحين إلى العراق بعدها. مع العلم أن سليمان كان ضمن جهاز نائب الرئيس السوري السابق العقيد رفعت الأسد، وبعد انقلابه على رفعت عين رئيسا لفرع مكافحة التجسس، ثم رئيسا لفرع الأمن الداخلي في جهاز أمن الدولة. وكان سليمان قد خلف بدوره في رئاسة فرع الأمن الداخلي (الذي يعرف في سوريا بالفرع 251) اللواء محمد ناصيف، عام 1998. وناصيف دكتور في الفلسفة كان قبل وصوله إلى «الأمن الداخلي» رئيسا للفرع الفني الذي يعرف في سوريا بالفرع 211، أو فرع التنصت الذي يتبع للمخابرات العسكرية.
ـ العميد حافظ مخلوف (علوي) الذي بات يعتبر منذ نحو عامين الرجل الأقوى في جهاز أمن الدولة رغم أن مسؤولياته الرسمية تقتصر على رئاسة فرع يعرف بـ «قسم دمشق» الذي يشرف على الأوضاع الأمنية في مدينة دمشق وضواحيها. وحافظ هو شقيق رجل الأعمال رامي مخلوف، والده خال الرئيس السوري بشار الأسد. وكان حافظ الذي يعتبر أحد أكثر الضباط السوريين نفوذا (مواليد 1975)، برفقة شقيق الرئيس الأسد باسل حين قتل بحادث سير عام 1994. وقد أعلنت الولايات المتحدة بعد الاتحاد الأوروبي أخيرا تجميد أمواله. ويتردد أن حافظ مخلوف أشرف بنفسه على التحقيق في اغتيال عماد مغنية.
ـ اللواء زهير حمد (سني) نائب رئيس جهاز أمن الدولة. والذي ينافس حافظ مخلوف على رئاسة جهاز أمن الدولة، بعد تجاوز مملوك سن التقاعد. وسبق لحمد أن ترأس الفرع الداخلي في أمن الدولة الذي يعنى غالبا بمراقبة الفنانين السورين والمثقفين والصحافيين. ويكاد يجمع هؤلاء في الحوارات الخاصة على انتقاد حمد، معترفين بقدرته الاستثنائية على القراءة والمتابعة، ورفضه أي شكل من أشكال الانتقاد، سواء كان بناء أو هداما.
ـ اللواء حسن خلوف مساعد رئيس جهاز الأمن العام. وسبق لخلوف أن شغل منصب رئيس فرع فلسطين في جهاز المخابرات العسكرية. وكان خلوف الذي تدرج في السلك العسكري قد استقر أكثر من عقدين في مدينة حلب.
مع العلم أن لجهاز أمن الدولة عدة سجون في دمشق وحدها، أهمها السجن المقابل لقصر المحافظ، السجن في منطقة الجمارك، سجن القصّاع وسجن الشيخ محي الدين. أما أبرز هذه السجون على الإطلاق فهو سجن كفرسوسة الذي يتسع لأكثر من 3000 معتقل، وفيه نحو 250 زنزانة فردية.
ثانيا: جهاز الأمن العسكري
يعتبر هذا الجهاز الأقوى في سوريا، ابن العماد آصف شوكت (علوي) المدلل. عين شوكت زوج شقيقة الرئيس بشرى الأسد رئيسا له (2005 - 2009)، حين رقي فجأة إلى رتبة عماد، وأصبح نائبا لرئيس الأركان للشؤون الأمنية، بينما حل صديقه اللواء عبد الفتاح قدسية (علوي) محله في رئاسة «الأمن العسكري».
لدى هذا الجهاز في دمشق فروع تخصصية قائمة في مبان مستقل بعضها عن بعض. أهمها: فرع التحقيق، سرية المداهمة (215)، فرع الدوريات، فرع فلسطين، فرع المنطقة، فرع المعلومات، وفرع شؤون الضباط (293) الذي كان مقره في «الأركان»، ونقل أخيرا إلى بناء جديد يتبع للمخابرات العسكرية.
وبعد أحداث حماه عام 1982، بات لهذا الجهاز «سرية مداهمة» في كل محافظة، أشيع عنها الكثير بين المواطنين، ولا سيما سريتي دمشق التي كان آصف شوكت رئيسها، وسرية حلب التي كان الرائد أحمد العمر يرأسها.
أما علاقة قدسية بشوكت فقديمة جدا. ويعتبر قدسية الأقرب إلى شوكت بين مختلف ضباط الأمن. وكان قدسية يرأس جهاز المخابرات الجوية قبل نقله إلى رئاسة جهاز المخابرات العسكرية. ويذكر أن الرقيب المجند فادي عيسى مصطفى، الذي اغتيل في بداية الأحداث التي تشهدها سوريا في منطقة بانياس، هو ابن أخت اللواء قدسية.
مع العلم أن العميد رستم غزالة (سني) الذائع الصيت يرأس فرعين في جهاز الأمن العسكري، هما فرع المنطقة، وفرع التحقيق في محافظة ريف دمشق. أما العميد جامع جامع (سني) فيرأس فرع الأمن العسكري في محافظة دير الزور.
ويشار ختاما إلى أن أشهر رئيس عرفته المخابرات العسكرية هو علي دوبا. وأهم فروع هذا الجهاز، هي: فرع مخابرات دمشق، ويسمى فرع المنطقة، ويقع في منطقة الجمارك (اشهر رؤسائه العميد هشام اختيار). وفي المنطقة نفسها هناك أيضا الفرع 235، أو المداهمة والاقتحام (أشهر رؤسائه العماد آصف شوكت)، فرع شؤون الضباط أو الأمن العسكري (أشهر رؤسائه أحمد عبود). فرع الحاسب الآلي أو الأمن العسكري، الفرع 279 أو الفرع الخارجي، فرع أمن القوات وفرع فلسطين (من أشهر رؤسائه مصطفى التاجر). ويضاف إلى هؤلاء فرع سعسع أو مخابرات الجبهة، ويقع في منطقة سعسع في ريف دمشق، فرع الدوريات على طريق المطار، فرع اللاسلكي في منطقة القابون، فرع مخابرات السويداء، فرع مخابرات حلب، فرع مخابرات حمص، وفرع مخابرات حماة.
ثالثا: جهاز الأمن السياسي
يعتبر هذا الجهاز الأوسع انتشارا ضمن الأراضي السورية، لكنه إداري أكثر منه ميداني. فهو خزان المعلومات بالنسبة للنظام السوري. معلومات لم يجد النظام الإمكانات والوقت لمكننتها، الأمر الذي يصعب عليه مقاطعتها بعضها مع بعض ليحسن استخدامها. ويملك هذا الجهاز مفرزة في كل «مديرية ناحية». دوره الإداري كبير والملفات التي في حوزته في مقره الرئيسي في المزة ضخمة جدا. وهنا أيضا يوجد فروع، لكن ضمن المبنى نفسه، ليست مستقلة. وأهم هذه الفروع: الفنادق، الملاهي والمطاعم، الطلاب، الموظفين، الأحزاب وفرع التراخيص الذي يفترض بكل مكتب عقاري أو متجر هواتف خلوية أو محل خضر. ويتألف كل فرع من عميد ورائدين وبضعة عناصر. يتبع هذا الجهاز أيضا لوزارة الداخلية، ويرأسه اليوم اللواء محمد ديب زيتون (سني) الذي حل قبل نحو عام محل اللواء محمد منصورة الذي كان قد خلف بدوره رئيس جهاز الأمن السياسي السابق اللواء غازي كنعان (علوي). ومنصورة، وفق معلومات القبس هو أهم اللاعبين السوريين في الملف السوري – العراقي، وأهم الوسطاء بين النظام السوري والأكراد. علما أن لهذا الجهاز عدة أفرع، أهمها فرع دمشق في منطقة المزة، فرعا ريف دمشق والتحقيق في منطقة العدوي، فرع الميسات، فرع حماة (من أشهر رؤسائه وليد أباظة الذي أشاع النظام أنه ينوي تعيينه محافظا لحماة، ثم ثبت أنها مجرد إشاعة). ويشار إلى أن لجهاز الأمن السياسي، عدة سجون في مدينة دمشق وحدها، أهمها: سجن الشيخ حسن، سجن القلعة وسجن الجميلية.
رابعا: جهاز المخابرات الجوية
أوكل الرئيس حافظ الأسد للواء محمد الخولي مهمة تأسيس هذا الجهاز. فاختار الخولي منذ البداية اللواء علي مملوك لمساعدته في هذه المهمة. وهكذا ارتبط اسم مملوك باسم المخابرات الجوية، منذ البداية. وبداية، كانت مهمة «المخابرات الجوية» حماية سلاح الجو السوري، إضافة إلى طائرة الرئيس، وأمن الرئيس خلال تواجده خارج سوريا. ونتيجة تطور المهام التي أوكلتها المخابرات الجوية لنفسها، تحول الجهاز إلى واحدة من أهم الإدارات التابعة لرئاسة الأركان في الجيش السوري، في ظل تأكيد مختلف المصادر أن دور جهاز المخابرات الجوية حتى بداية الأحداث الأخيرة كان متواضعا جدا في الداخل السوري على صعيد القمع. وكان المحتجون في مدينة تلكلخ قد هتفوا لإطلاق سراح معتقلي المخابرات الجوية.
ويشار في هذا السياق إلى أن اللواء علي مملوك الذي يرأس اليوم جهاز الأمن العام، كان سابقا رئيسا لجهاز المخابرات الجوية، واللواء عبد الفتاح قدسية الذي يرأس اليوم جهاز الأمن العسكري كان أيضا رئيسا لجهاز المخابرات الجوية. أما اللواء جميل الحسن الذي يرأس اليوم جهاز المخابرات الجوية، فكان مساعدا للواء علي مملوك.
أسباب تجميد شوكت
كانت ترقية آصف شوكت، التي وصفها كثيرون بالضرورية لإبعاده عن «الأمن العسكري»، قد تزامنت قبل نحو سنتين مع مجموعة خطوات أخرى، أهمها:
• تعيين العميد رفيق شحادة رئيسا لفرع الضباط أو الفرع 293، محل اللواء علي يونس.
• أبعد رئيس الفرع 251 في المخابرات العامة اللواء فؤاد ناصيف، ورئيس فرع فلسطين (235) اللواء أمين شرابة، ونائب رئيس فرع فلسطين العميد جلال الحايك. والحايك يعتبر من أهم الضباط في الجيش السوري، ولعب خلال ثلاثة عقود دور المدعي العام العسكري في شعبة المخابرات العسكرية، فكلف تحضير التهم للمعارضين السياسيين.
الجدير ذكره أنه بعد الانتفاضة الحالية أصبح شوكت في حكم المجمد.
أساس المشكلة
المعلومات السابق ذكرها تثبت أن قادة الأجهزة الأمنية السورية، وهم أساس المشكلة التي تشهدها سوريا، بدأوا مسيرتهم مع الرئيس حافظ الأسد، وتبوؤوا مناصبهم العليا في عهد الرئيس بشار الأسد. وتشير المعطيات السابقة إلى محاولة الأسد، ولا سيما منذ عام 2009 إحداث تغيير جدي في عمل هذه الأجهزة عبر عنه بإبعاد آصف شوكت، وبعض الآخرين مقابل إعطاء دور أكبر لمسؤولي المخابرات الجوية، على اعتبار أن نظرة الشعب السوري عموما إلى المخابرات الجوية أقل سوءا مقارنة مع نظرة هذا الشعب إلى الجهة الأخرى، ولا سيما أن دور المخابرات الجوية كان أقل بكثير من الأجهزة الأخرى في القمع وغيره.
المواطن {كبش} الأجهزة
الأكيد أن علاقة الأجهزة الأمنية الأربعة الرئيسية في سوريا بعضها ببعض ليست مستقرة أبدا، وغالبا لا يوجد الحد الأدنى من التنسيق بينها. ويروى في هذا السياق أن المواطن السوري يكاد يُفسخ نصفين حين يقع بين جهازين، كلاهما يشده نحوه.
في «كائن لا تحتمل خفّته»، يورد الكاتب ميلان كونديرا أن «تفتيش المواطنين ومراقبتهم يعتبر من النشاطات الاجتماعية الأساسية والدائمة في البلدان الشيوعية. فلكي ينال رسام حقه- مثلا- في إقامة معرض، أو يحصل مواطن على تأشيرة لقضاء عطلة على الشاطئ (...)، يجب أولا تقديم تقارير وشهادات ثبوتية لا عد لها ولا حصر، بما في ذلك شهادة من حارس المبنى السكني، وأخرى من زملاء العمل، وثالثة من شرطة الحي، ورابعة من خلية الحزب التي ينتمي إليها (حكما)، وأيضا من لجنة التأميم... كل هذه الإثباتات يجمعها فيما بعد ويقيّمها ويراجعها موظفون مدربون لهذه المهمة. أما ما يقال في هذه التصاريح فلا علاقة له البتة بموهبة المواطن في الرسم أو بهدف الرحلة الى الشاطئ (...). هناك أمر واحد مهم: «الخلفية السياسية للمواطن».
لم يتسن لكونديرا، الروائي التشيكي اليساري، التعرف على البلدان العربية ليكتب عن «النشاطات الاجتماعية الأساسية والدائمة» فيها. ففي سوريا، على سبيل المثال «لكي ينال رسام حقه في إقامة معرض أو يحصل مواطن على تأشيرة لقضاء عطلته على الشاطئ، يجب أن تجتمع أصلا كل أنواع التقارير والشهادات التي تخصهم». لكن المشكلة أن الملف لا يستكمل بتوقيع جهاز استخباراتي واحد. فهناك أربعة أجهزة مستقلة، لكل منها «ناطور وزملاء عمل وشرطة وخلية حزب ولجنة تأميم». وهذه الأجهزة الأربعة هي: جهاز أمن الدولة، جهاز الأمن العسكري، جهاز الأمن السياسي، وجهاز المخابرات الجوية.
أولا: جهاز أمن الدولة
يعرف هذا الجهاز أيضا باسم إدارة المخابرات العامة (مقره الرئيسي قرب مستديرة كفرسوسة). أشهر رؤسائه نزيه زرير، وماجد سعيد، ومحمد ناصيف (علوي) الذي يلعب بعد تقاعده منذ عدة سنوات دور مساعد لنائب رئيس الجمهورية، والمستشار الأمني الخاص للرئيس بشار الأسد.
يتألف هذا الجهاز من فروع عدة مستقلة ومركزية، كالفرع 253 في منطقة السادات (أشهر رؤسائه محمد ناصيف، علوي)، الفرع 295 أو فرع المداهمة والاقتحام في منطقة كفرسوسة (من أشهر رؤسائه محمد بريمو وعدنان ديوب). وفي كفرسوسة هناك أيضا فرع التجسس الذي رأسه سبع سنوات اللواء بهجت سليمان (علوي)، فرع المعلومات وفرع التحقيق. إضافة إلى فرع مخابرات درعا، فرع مخابرات القامشلي، فرع مخابرات دير الزور، فرع مخابرات إدلب وفرع الحلبوني.
وهناك في هذا الفرع خمسة أسماء أساسية وبارزة، هي:
ـ اللواء علي مملوك (سني) رئيس جهاز أمن الدولة. وقد عين مملوك في هذا الموقع عام 2005، خلفا للواء هشام البختيار (مواليد 1941) إثر انتخاب الأخير عضوا في القيادة القطرية لحزب البعث، وتكليفه رئاسة مكتب الأمن القومي. ومملوك كان من أصغر الضباط الذين انتقاهم الرئيس حافظ الأسد لشغل أكثر المواقع حساسية في النظام السوري. فهو من مؤسسي جهاز المخابرات الجوية الذي يتردد في سوريا أنه الجهاز الأول على صعيد المؤهلات والكفاءات البشرية والتقنية.
ـ اللواء فؤاد ناصيف (سني) رئيس فرع الأمن الداخلي في جهاز أمن الدولة. وقد خلف ناصيف في هذا الموقع، عام 2005، اللواء بهجت سليمان الذي يعتبر أحد أهم الضباط السوريين، فكان يتمتع بنفوذ كبير في الحياة السياسية السورية واللبنانية، وقد ورد اسم سليمان ضمن الاتهامات الأميركية لسورية بتجارة السلاح مع العراق قبل الحرب، وبدعم تسلل المسلحين إلى العراق بعدها. مع العلم أن سليمان كان ضمن جهاز نائب الرئيس السوري السابق العقيد رفعت الأسد، وبعد انقلابه على رفعت عين رئيسا لفرع مكافحة التجسس، ثم رئيسا لفرع الأمن الداخلي في جهاز أمن الدولة. وكان سليمان قد خلف بدوره في رئاسة فرع الأمن الداخلي (الذي يعرف في سوريا بالفرع 251) اللواء محمد ناصيف، عام 1998. وناصيف دكتور في الفلسفة كان قبل وصوله إلى «الأمن الداخلي» رئيسا للفرع الفني الذي يعرف في سوريا بالفرع 211، أو فرع التنصت الذي يتبع للمخابرات العسكرية.
ـ العميد حافظ مخلوف (علوي) الذي بات يعتبر منذ نحو عامين الرجل الأقوى في جهاز أمن الدولة رغم أن مسؤولياته الرسمية تقتصر على رئاسة فرع يعرف بـ «قسم دمشق» الذي يشرف على الأوضاع الأمنية في مدينة دمشق وضواحيها. وحافظ هو شقيق رجل الأعمال رامي مخلوف، والده خال الرئيس السوري بشار الأسد. وكان حافظ الذي يعتبر أحد أكثر الضباط السوريين نفوذا (مواليد 1975)، برفقة شقيق الرئيس الأسد باسل حين قتل بحادث سير عام 1994. وقد أعلنت الولايات المتحدة بعد الاتحاد الأوروبي أخيرا تجميد أمواله. ويتردد أن حافظ مخلوف أشرف بنفسه على التحقيق في اغتيال عماد مغنية.
ـ اللواء زهير حمد (سني) نائب رئيس جهاز أمن الدولة. والذي ينافس حافظ مخلوف على رئاسة جهاز أمن الدولة، بعد تجاوز مملوك سن التقاعد. وسبق لحمد أن ترأس الفرع الداخلي في أمن الدولة الذي يعنى غالبا بمراقبة الفنانين السورين والمثقفين والصحافيين. ويكاد يجمع هؤلاء في الحوارات الخاصة على انتقاد حمد، معترفين بقدرته الاستثنائية على القراءة والمتابعة، ورفضه أي شكل من أشكال الانتقاد، سواء كان بناء أو هداما.
ـ اللواء حسن خلوف مساعد رئيس جهاز الأمن العام. وسبق لخلوف أن شغل منصب رئيس فرع فلسطين في جهاز المخابرات العسكرية. وكان خلوف الذي تدرج في السلك العسكري قد استقر أكثر من عقدين في مدينة حلب.
مع العلم أن لجهاز أمن الدولة عدة سجون في دمشق وحدها، أهمها السجن المقابل لقصر المحافظ، السجن في منطقة الجمارك، سجن القصّاع وسجن الشيخ محي الدين. أما أبرز هذه السجون على الإطلاق فهو سجن كفرسوسة الذي يتسع لأكثر من 3000 معتقل، وفيه نحو 250 زنزانة فردية.
ثانيا: جهاز الأمن العسكري
يعتبر هذا الجهاز الأقوى في سوريا، ابن العماد آصف شوكت (علوي) المدلل. عين شوكت زوج شقيقة الرئيس بشرى الأسد رئيسا له (2005 - 2009)، حين رقي فجأة إلى رتبة عماد، وأصبح نائبا لرئيس الأركان للشؤون الأمنية، بينما حل صديقه اللواء عبد الفتاح قدسية (علوي) محله في رئاسة «الأمن العسكري».
لدى هذا الجهاز في دمشق فروع تخصصية قائمة في مبان مستقل بعضها عن بعض. أهمها: فرع التحقيق، سرية المداهمة (215)، فرع الدوريات، فرع فلسطين، فرع المنطقة، فرع المعلومات، وفرع شؤون الضباط (293) الذي كان مقره في «الأركان»، ونقل أخيرا إلى بناء جديد يتبع للمخابرات العسكرية.
وبعد أحداث حماه عام 1982، بات لهذا الجهاز «سرية مداهمة» في كل محافظة، أشيع عنها الكثير بين المواطنين، ولا سيما سريتي دمشق التي كان آصف شوكت رئيسها، وسرية حلب التي كان الرائد أحمد العمر يرأسها.
أما علاقة قدسية بشوكت فقديمة جدا. ويعتبر قدسية الأقرب إلى شوكت بين مختلف ضباط الأمن. وكان قدسية يرأس جهاز المخابرات الجوية قبل نقله إلى رئاسة جهاز المخابرات العسكرية. ويذكر أن الرقيب المجند فادي عيسى مصطفى، الذي اغتيل في بداية الأحداث التي تشهدها سوريا في منطقة بانياس، هو ابن أخت اللواء قدسية.
مع العلم أن العميد رستم غزالة (سني) الذائع الصيت يرأس فرعين في جهاز الأمن العسكري، هما فرع المنطقة، وفرع التحقيق في محافظة ريف دمشق. أما العميد جامع جامع (سني) فيرأس فرع الأمن العسكري في محافظة دير الزور.
ويشار ختاما إلى أن أشهر رئيس عرفته المخابرات العسكرية هو علي دوبا. وأهم فروع هذا الجهاز، هي: فرع مخابرات دمشق، ويسمى فرع المنطقة، ويقع في منطقة الجمارك (اشهر رؤسائه العميد هشام اختيار). وفي المنطقة نفسها هناك أيضا الفرع 235، أو المداهمة والاقتحام (أشهر رؤسائه العماد آصف شوكت)، فرع شؤون الضباط أو الأمن العسكري (أشهر رؤسائه أحمد عبود). فرع الحاسب الآلي أو الأمن العسكري، الفرع 279 أو الفرع الخارجي، فرع أمن القوات وفرع فلسطين (من أشهر رؤسائه مصطفى التاجر). ويضاف إلى هؤلاء فرع سعسع أو مخابرات الجبهة، ويقع في منطقة سعسع في ريف دمشق، فرع الدوريات على طريق المطار، فرع اللاسلكي في منطقة القابون، فرع مخابرات السويداء، فرع مخابرات حلب، فرع مخابرات حمص، وفرع مخابرات حماة.
ثالثا: جهاز الأمن السياسي
يعتبر هذا الجهاز الأوسع انتشارا ضمن الأراضي السورية، لكنه إداري أكثر منه ميداني. فهو خزان المعلومات بالنسبة للنظام السوري. معلومات لم يجد النظام الإمكانات والوقت لمكننتها، الأمر الذي يصعب عليه مقاطعتها بعضها مع بعض ليحسن استخدامها. ويملك هذا الجهاز مفرزة في كل «مديرية ناحية». دوره الإداري كبير والملفات التي في حوزته في مقره الرئيسي في المزة ضخمة جدا. وهنا أيضا يوجد فروع، لكن ضمن المبنى نفسه، ليست مستقلة. وأهم هذه الفروع: الفنادق، الملاهي والمطاعم، الطلاب، الموظفين، الأحزاب وفرع التراخيص الذي يفترض بكل مكتب عقاري أو متجر هواتف خلوية أو محل خضر. ويتألف كل فرع من عميد ورائدين وبضعة عناصر. يتبع هذا الجهاز أيضا لوزارة الداخلية، ويرأسه اليوم اللواء محمد ديب زيتون (سني) الذي حل قبل نحو عام محل اللواء محمد منصورة الذي كان قد خلف بدوره رئيس جهاز الأمن السياسي السابق اللواء غازي كنعان (علوي). ومنصورة، وفق معلومات القبس هو أهم اللاعبين السوريين في الملف السوري – العراقي، وأهم الوسطاء بين النظام السوري والأكراد. علما أن لهذا الجهاز عدة أفرع، أهمها فرع دمشق في منطقة المزة، فرعا ريف دمشق والتحقيق في منطقة العدوي، فرع الميسات، فرع حماة (من أشهر رؤسائه وليد أباظة الذي أشاع النظام أنه ينوي تعيينه محافظا لحماة، ثم ثبت أنها مجرد إشاعة). ويشار إلى أن لجهاز الأمن السياسي، عدة سجون في مدينة دمشق وحدها، أهمها: سجن الشيخ حسن، سجن القلعة وسجن الجميلية.
رابعا: جهاز المخابرات الجوية
أوكل الرئيس حافظ الأسد للواء محمد الخولي مهمة تأسيس هذا الجهاز. فاختار الخولي منذ البداية اللواء علي مملوك لمساعدته في هذه المهمة. وهكذا ارتبط اسم مملوك باسم المخابرات الجوية، منذ البداية. وبداية، كانت مهمة «المخابرات الجوية» حماية سلاح الجو السوري، إضافة إلى طائرة الرئيس، وأمن الرئيس خلال تواجده خارج سوريا. ونتيجة تطور المهام التي أوكلتها المخابرات الجوية لنفسها، تحول الجهاز إلى واحدة من أهم الإدارات التابعة لرئاسة الأركان في الجيش السوري، في ظل تأكيد مختلف المصادر أن دور جهاز المخابرات الجوية حتى بداية الأحداث الأخيرة كان متواضعا جدا في الداخل السوري على صعيد القمع. وكان المحتجون في مدينة تلكلخ قد هتفوا لإطلاق سراح معتقلي المخابرات الجوية.
ويشار في هذا السياق إلى أن اللواء علي مملوك الذي يرأس اليوم جهاز الأمن العام، كان سابقا رئيسا لجهاز المخابرات الجوية، واللواء عبد الفتاح قدسية الذي يرأس اليوم جهاز الأمن العسكري كان أيضا رئيسا لجهاز المخابرات الجوية. أما اللواء جميل الحسن الذي يرأس اليوم جهاز المخابرات الجوية، فكان مساعدا للواء علي مملوك.
أسباب تجميد شوكت
كانت ترقية آصف شوكت، التي وصفها كثيرون بالضرورية لإبعاده عن «الأمن العسكري»، قد تزامنت قبل نحو سنتين مع مجموعة خطوات أخرى، أهمها:
• تعيين العميد رفيق شحادة رئيسا لفرع الضباط أو الفرع 293، محل اللواء علي يونس.
• أبعد رئيس الفرع 251 في المخابرات العامة اللواء فؤاد ناصيف، ورئيس فرع فلسطين (235) اللواء أمين شرابة، ونائب رئيس فرع فلسطين العميد جلال الحايك. والحايك يعتبر من أهم الضباط في الجيش السوري، ولعب خلال ثلاثة عقود دور المدعي العام العسكري في شعبة المخابرات العسكرية، فكلف تحضير التهم للمعارضين السياسيين.
الجدير ذكره أنه بعد الانتفاضة الحالية أصبح شوكت في حكم المجمد.
أساس المشكلة
المعلومات السابق ذكرها تثبت أن قادة الأجهزة الأمنية السورية، وهم أساس المشكلة التي تشهدها سوريا، بدأوا مسيرتهم مع الرئيس حافظ الأسد، وتبوؤوا مناصبهم العليا في عهد الرئيس بشار الأسد. وتشير المعطيات السابقة إلى محاولة الأسد، ولا سيما منذ عام 2009 إحداث تغيير جدي في عمل هذه الأجهزة عبر عنه بإبعاد آصف شوكت، وبعض الآخرين مقابل إعطاء دور أكبر لمسؤولي المخابرات الجوية، على اعتبار أن نظرة الشعب السوري عموما إلى المخابرات الجوية أقل سوءا مقارنة مع نظرة هذا الشعب إلى الجهة الأخرى، ولا سيما أن دور المخابرات الجوية كان أقل بكثير من الأجهزة الأخرى في القمع وغيره.
المواطن {كبش} الأجهزة
الأكيد أن علاقة الأجهزة الأمنية الأربعة الرئيسية في سوريا بعضها ببعض ليست مستقرة أبدا، وغالبا لا يوجد الحد الأدنى من التنسيق بينها. ويروى في هذا السياق أن المواطن السوري يكاد يُفسخ نصفين حين يقع بين جهازين، كلاهما يشده نحوه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق